30
كتابــا جـديـدا يومــيــا
!! إشترك الان
«باراديسيوس» .. رواية الفلسفة الوجودية في فهم الحياة والإنسان

«باراديسيوس» .. رواية الفلسفة الوجودية في فهم الحياة والإنسان

 

 

لم تكن الوجودية كفلسفة حياة توحد بين الإنسان والحرية بمعزل عن الرواية العربية، حيث ظهرت العديد من الأعمال السردية التي يمكن تصنيفها ضمن هذا الإطار ومنها أعمال الروائي سهيل إدريس الذي يُعد من أبرز رواد الوجودية في الأدب العربي المعاصر.

وتقوم الوجودية في الرواية بالأساس على وجود حبكة سردية بمختلف عناصرها تُجسد ما تقوم عليه من أفكار أبرزها أنّ وجود الإنسان يتوقف على حريته.

ومن الأعمال الروائية الحديثة التي تتنزل ضمن هذا الإطار، أقدم لكم اليوم رواية باراديسيوس للكاتب التونسي الشاب شهاب عبد الله والتي جاءت في 207 صفحة من القطع المتوسط وصدرت عن دار ميّارة للنشر والتوزيع، تونس. وهي لئن كانت باكورة أعمال شهاب عبد الله إلاَّ أننا لا نتردد في القول دون مجاملة أنها جاءت بمستوى الروايات العالمية التي عالجت مسألة وجود الإنسان وبحثه عن حريته. فلقد تحلت بالكثير من العمق والجودة سواءعلى مستوى بنيتها السردية كرواية أوعلى مستوى لغتها المتزنة والسلسلة المتوافقة مع إيقاع الأحداثونمط شخصياتها وإطارها الزماني والمكاني الخاص والمطلق. فرغم أنَّ قرية باراديسيوس هي المكان الرئيسي لأحداث الرواية ونقطة التقاء شخصياتها ومحطة تفجر الفعل والحركة والثورة فيها إلاَّ أنّها ليست إلاَّ رمزا لحياة الإنسان في سعيه الدائم وجهاده اللاّمنقطع من أجل الحرية ليكون موجودا في هذه الحياة.

فباراديسيوس هي قرية تعيش الاضطهاد والعزل بعد أن قام حاكم جائر متغطرس بتدمير الحياة فيها وجعل منها سجنا للرجال الذين انتفضوا على ظلمه وأغلق عليهم البوابة لسنوات وأبعد عنهم نسائهم وشرد أطفالهم.

تطرح الرواية بجرأة كبيرة علاقة الإنسان بالسلطة والدين ولعل المعجم المسيحي الذي استند إليه الكاتب ليؤثث روايته كان بهدف التحرك في هامش أوسع من الحرية لإثارة علاقة الانسان بالدين عموما وما فيه من اسقاطات كثيرة على واقعنا المعيش.

يقف القارئ مع باراديسيوس أمام ذاته ويكشف عن أقنعة كثيرة وزيف العديد من المفاهيم وتنتهي به الرواية إلى قناعة ثابتة أنه قادر على أن يقوم ويبدأ من جديدوأنّه أقوى من أيِّ وهنٍ قد يحلُّ به وأنَّ لا قاع يستقر به مادامت روحه تواقة للحرية والانطلاق.

تبدأ الرواية بشكل كلاسيكي عاطفي هادئ، ولكنها مع ذلك لا تخلو من إثارة وتسارع لتهيأ القارئ إلى الوصول إلى العقدة السردية ليس فقط ببحث يوجين عن محبوبته ليندا وتعقبه لأثرها وإنما بالوقوف عند محطات متتالية يعيش من خلالها البطل وبقية الشخصيات المحيطة به مجموعة من المراجعات في ما يخص عددا من المفاهيم كالسعادة والشقاء و اليأس و البؤس والنجاح والحرية والثورة والفعل وقيمة الفرد وقدرته على مساعدة الآخرين عند التحرر من «مجده الذاتي ورغباته الشخصية».

تبدوالأحداث وكأنّها تتبع خطًّا دائريا فليندا تبحث عن ذاتها وعن اليقين ويوجين يبحث عن ليندا ومن خلال رحلته يتعرف عن ذاته. ثم يصل يوجين إلى باراديسيوس وتصل ليندا إلى بيت عمتها في المدينة وكأنهما يقفان على خط تماس مقابل بعضهما البعض. لكن كلاًّ منهما يخوض تجربته الوجودية في فهمه للحياة والوجود وذاته. فتطرح كل شخصية رؤيتها الفلسفية ليستشعر القارئ أنهما يكملان بعضهما البعض. ويعتقد أن نهاية الرواية ستكون بالتقائهما معًا شأنهما في ذلك شأن حبيبين يجاهدان المصاعب ليلتقيا. وهاهو الكاتب يقول على لسان بطله في حديثه عنالعلاقة بين الرجل والمرأة (اليوم ازداد يقيني بأن حضور المرأة في حياة الرجل ليس مجرد حاجة عادية، بل هو ضرورة قصوى، فهما يتكاملان معا ويخلقان أبهى صور الحياة. كل منهما يدفع الآخر نحو الكمال، ويرمم الضعف الذي فيه).ولئن حقق شهاب عبد الله ذلك في نصه إلاَّ أنَّه فاجئ القارئ باستمرار رحلة البحث رغم اللقاء بين يوجين وليندا الذي كان يبدو منذ بداية الرواية وكأنه الغاية الرئيسية. وهنا يتكشَّف القارئ على حقيقة الحياة كرحلة متواصلة ومستمرة بكل مغامراتها ومفاجآتها وصعوباتها وأن لاعود فيها على بدء مهما حدث فكل شيء يسير فيها إلى الأمام.

قد يعتقد القارئ منذ بداية الرواية بأنّ ليندا هي الشخصية المحورية فهي التي قادت الأحداث إلى أن تتحرك بحضورها كما بغيابها الذي دفع بيوجين للبحث عنها. لكنّ شهاب عبد الله سرعان ما نقل قيادة دفة السرد لصالح يوجين رغم ما كان يوحي من مراوحة بينهما، إذأصبح يوجين هو المحرك الرئيسي للأحداث ولبقية شخصيات الرواية حيث لعب دور الرجل المنقذ الذي نفخ في الرماد لتشتعل النار في الهشيم من جديد وتحرق كل القيود وتطهر كل عفن فهاهو ينجح في إعادة بث الحماسة بين رجال باراديسيوس الذين انقادوا للقاع والرذيلة بفعل هزيمتهم وتجرعهم ويلات الخسارة والفقد بأن حرّك فيهم إرادة الفعل والايمان بقدرتهم على السعادة والنصر والتحرر. ليطرح الكاتب بذلك مقاربته الوجودية التي تؤمنبقدرة الإنسان على إعادة البناء والانطلاق.وهو ما يحتاج إحياء الوعي والتأمل لديه.

باراديسيوس..الجنة الضائعة في معناها اللغوي اللاتيني لكنها تستقر في قلب القارئ لتحرك فيه الكثير منه. فيتفتح وعيه على ذاته ويطرح أسئلة البحث عن ذاته؟فهل البحث عن الذات نتيجة حتمية لكل فقد وهزة نعيشها فتثير فينا الرغبة في إعادة ترتيب دواخلنا أم أنه نتيجة قرار ذاتي بذلك؟.

باراديسيوس..رواية ثرية أرشحها لكم لتعيشوا معها بذخ الأسئلة الوجودية والمراجعات الفلسفية لذواتنا و الحياة.

 

 

المصدر: الدستور

25 أبريل 2021 - 10:30ص
Яндекс.Метрика