تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السعادة

لم يبعث في نفسي الرغبة في كتابة أفكاري حول موضوع (السعادة) ، إلا تلك النقاشات المتعددة التي تثور بيني وبين ابني وابنتي (وكلاهما فــي مرحلة المراهقة وطورها) حول مفهوم السعادة وأسبابها ، حيث أن لهما - الفتى والفتاة – عـــــادة رأياً مغايراً لما أقول ، ومخالفاً لما أزعم حين أحاول تفسير ماهية السعادة وتصور منطلقاتها . وإني لألتمس لهما العذر ، فما نزال نحن الذين يفترض فينا الرشد متخبطين في إدراك مفهوم السعادة ، ومعرفة بواعثها وموانعها ، رغم ما عايشنا من أحداث ، وخبرنا من تجارب ، وكابدنا من صروف الشقاء غير المبرر . على أية حال ، أُحبُّ أن أعرض ما تجمع لدي من أفكار حول السعادة في عشر حقائق ، أو لأكون أكثر موضوعية ودقة ، فهي عشر معطيات أدّعي أنها حقائق:


* الحقيقة الأولى ـ السعادة ضالّة الإنسان :

نعم ، السعادة (ضالّة) الإنسان ، صحيح أنها توصف أكثر ما توصف بأنها غايـــة ، بمعنى أنها النهاية التي يرمي الناس للوصول إليها ، أو توصف بأنها قيمة ، بمعنى أنها شيء مرغوب فيه ويشكل اعتباراً وأهمية للفرد ، وكل ذلك وصف صائب ، لكني أرى أن الوصف الأكثر انطباقاً على السعادة ، والأكثر دقـــــة في التعبير عنها ، هو القول : إنها (ضالّة) الإنسان . والضالّة في اللغة هي الشيء المفقود المبحوث عنه ، وبالتالي فإن الضالّة شيء موجود وقائم في الحقيقة، لكن العثور عليه يحتاج إلى بحث وجهد ، وأن يكون الشيء مفقوداً ومبحوثاً عنه يجعله محاطاً غالباً بكثير من الغموض والالتباس والأوهام ... أفلا ترى إلى الناس كيف يسلكون مسالك شتى في بحثهم عن السعادة ؟ فهذا يبحث عنها من خلال تبنّي القيم الجليلة والأعمال النبيلة ، وذاك ينشدها من خلال الملذات والمتع الحسية القريبة ، وآخر يطلبها من خلال الثروة ، وغيرهم يبحث عنها في النجاح أو الشهرة أو الجاه أو النفوذ أو غير ذلك ، ثم لا يبلغ كثير منهم مراده ، لأنه ضلّ السبيل ، أو أَخطَأَ الاتجاه ، أو بحث عن ضالّته دون أن يدرك كنهها ، أو يعلمَ فـــي أي مكان يمكن أن تكون ..!


* الحقيقة الثانية ـ السعادة أكثر عمقاً وامتداداً من مجرد الفرح والمتعة :

السعادة من حيث ماهيتها وحقيقتها تختلف عن مجرد الفرح أو المتعة أو اللذة ، فتلك مشاعر مؤقتة ومحدودة ، ومرتبطة بأسباب قريبة ومباشرة ، ويغلب أن تكـون مصحوبة بانفعالات آنية ما تلبث أن تزول . أما السعادة فهي شعور أكثر عمقاً وامتداداً واتساعاً وثباتاً واستمراراً ، ولا ترتبط بمجرد حدث عابر أو ظرف طارئ ، وطالما عرفنا أشخاصاً عاشوا حياة فيها كثير من المتع والملذات ، لكن السعادة جافتهم ، حتى دفعهم ذلك إلى الانتحار ، أو اللجوء إلى أنواع أخرى من وسائل الهروب .


* الحقيقة الثالثة ـ ثمة علاقة متينة بين السعادة والإيجابية :

هناك علاقة وجودية – إن جاز التعبير – بين السعادة والايجابية ، حيث يدور كلاهما مع الآخر وجوداً وعدماً في كثير من الأحيان . وبالرغم من اختلاف مفهوم السعادة بين الناس ، واختلاف تعريفها في نظر الفلاسفة والعلماء، فإني أجتهد في القول إنها تعني مجموع المشاعر الايجابية التي يعيشها المرء ، كمشاعر الرضا عن الذات ، والصلح مع الحياة، إضافة إلى مشاعر الطمأنينة والثقة والأمل والتسامح بوجه عام .

وكما سبق وأشرنا في موضوع سابق من هذا الكتاب ، فإن ثمة صلة وثيقة بين المحبة والسعادة ، فكلما تزايدت مشاعر الحب في نفس الإنسان ، وكلما زاد عـدد الأشياء والأفكار والأحياء والناس الذين يحبهم ، زادت فرصته في السعادة .


* الحقيقة الرابعة ـ بعض ما نحسبه سبباً في السعادة قد لا يكون كذلك :

إن الأبحاث النفسية العلمية المُحكَمَة المتعددة ، التي أجراها علماء نفس متخصصون من جامعات عريقة حول السعادة ، والتي شملت آلاف الأشخاص من مجتمعات وفئات وطبقات ودول مختلفة ، واستُخدِمَتْ فيها وسائل استقصاء عديدة ، دلّت على أن كثيراً مما نحسبه سبباً في السعادة قد لا يكون كذلك ، كما أن بعض العوامل التي قد نغفل أثرها تعتبر شديدة التأثير في تحقيق السعادة . ومن ذلك مثالاً أنه ثبت نتيجة تلك الأبحاث أن تأثير المال ضئيل في تحقيق السعادة بعد أن يملك الشخص الحد الأدنى لتحقيق حاجاته ، وبالتالي فإن زيادة الثروة بعد حدِّ الكفاية لا يحقق الزيادة في السعادة إلا بنسب لا تكاد تذكر ...! كما بينت الأبحاث ذاتها أن من أهم العوامل في تحقيق السعادة :التديّن ، والزواج ، والعلاقات الاجتماعية الطيبة ، إضافة إلى أن الحياة في ظل دولة غنية ديموقراطية يعتبر من العوامل المؤثرة ايجابياً في السعادة.


* الحقيقة الخامسة ــــ السعادة تنطلق مــن الذات وليس من خارجها :

هناك حقيقة يؤكدها ويرددها ــ ربما ــ كل من تناول موضوع السعادة بالبحث ، وهي تقول : إن السعادة أو الشقاء لا ينبعان من الظروف المحيطة بنا ، وإنما من طريقة نظرنا إلى تلك الظروف وتعاملنا معها ، وأنه إذا وضع شخصان في نطاق ذات الظروف ، قد تجد أحدهما سعيداً ، والآخر في قمة الشقاء . بمعنى أن السعادة تنطلق من النفس وليس من خارجها ، ولذلك فقد اهتم أكثر من بحثوا في أمر السعادة بتأثير التفكير الايجابي في تحقيقها ونيلها .

ويُعبّر جبران في كتابة (دمعة وابتسامة) عن هذه الحقيقة من خلال خياله البعيد وصوره الجميلة ، فيقول : (( ... واقترب قلبي من الحكمة ابنة المحبة والجمال ، وقال : أعطني حكمـة أحملها إلـى البشر 0 فأجابت : قل هـي السعــادة تبتدئ في قدس أقداس النفس ، ولا تأتي من الخارج )) . وفي موضع آخر من كتابه ذاته يقول جبران : (( السعادة صبيّة تولد وتحيا في أعماق القلب ، ولن تجيئ إليه من محيطه )) 


* الحقيقة السادسة ـ الذين يعملون لأجل فكرة تتعدى حدود ذواتهم ، هم الأكثر سعادة :

إن الأشخاص الذين يُضْفون معنىً على حياتهم ، من خلال القيم الجليلة ، والأهداف السامية ، والعمل لأجل فكرة تتعدى حدود الذات والمصالح الشخصية، هم أكثر سعادة ممن يتمركزون حول ذواتهم ، أو يعيشون الحياة على أساسٍ عبثي وعدمي . كما أن أعلى مراحل السعادة يحققها هؤلاء الأشخاص الذين يتمكّنون من الاستغراق في اهتماماتهم العلمية أو الفنية أو الأدبية أو المهنية أو الرياضية أو أعمالهم التطوعية أو سواها، بحيث ينسون ذواتهم، ويرتفعون فوق جميع المشاعر السلبية في استغراقهم هذا.


* الحقيقة السابعة ـ للوراثة تأثير على درجة السعادة التي يستطيع أن يبلغها الإنسان 

إن لطبيعة الفرد وسمات شخصيته ، التي ورث كثيراً من مكوناتها عبر الجينات ، تأثيراً أكيداً ومهماً في مدى قدرته على تحقيق السعادة وتعلّمها والوصول إلى نسب أعلى منها ، فتطوير القدرة على الإحساس بالسعادة ممكن ، ولكنبحدود معينة تفرضها القيود التي جُبِلتْ عليها سجايا الشخص وخصائصه النفسية الموروثة .


* الحقيقة الثامنة ـ الكره والحسد والغيرة تُذْهِبُ السعادة :

إن من يعيشون الكره والحسد والحقد ، ويَحيَونَ في دوامة الرغبة في النكاية بالغير والثأر من الآخرين ، وتفيض لديهم مشاعر العدوان نحـــــو الآخر ، ويقضـون أيامهم في التوتر والعصبية وقلة الصبر ، هم أبعد الناس عن السعادة ولو ادّعوها . ولو أن الذين يعيشون مشاعر الغيرة والحسد ، انتبهوا إلى حقيقة مشاعرهم ، وقاموا بتحليلها ، والنظر إليها من حيث محصِّلتها النهائية ونتيجتها، إذن لوجدوا أن كل ما يقومون به هو أنهم يستمدون شقاءهم من سعادة الآخرين ، وأنهم يعاقبون أنفسهم بالألم والمشاعر السلبية على نجاح سواهم من الناس . ولو أنهم كانوا أكثر حكمة لأراحوا أنفسهم من التلظّي بنار مشاعر الحسد ، ولأراحوا الآخرين من آثار تلك المشاعر السلبية .


* الحقيقة التاسعة ـ إسعاد الآخرين .. أهم مصادر السعادة :

هذه حقيقة يدركها الأشخاص الذين يبذلون جهودهم أو أموالهم أو أوقاتهم في سبيل إدخال السعادة إلى قلوب من يحتاجونها ، من مرضى ، أو فقراء، أو أطفال ، أو مسنين ، أو ذوي احتياجات خاصة . ويؤكد مثل هؤلاء الخيّرين دائماً ، أن الرضا والبهجة والغبطة التي يجدونها حين يلمسون أنهم تمكنوا مــن رسم ابتسامة على وجه مريض ، أو بعث نظرة فرح في عيون طفل محروم ، لا يمكن أن يعدلها أيّ شعور بالفرح .

لكن ، من المهم أن نشير إلى أن السعادة العظيمة المتأتية من إسعاد الآخرين ، تنتج عن المساعدة والخدمة التي تُقدّمُ لمن يحتاجها انطلاقاً من الضمير، ومن مشاعر المحبة والرحمة والإحساس بالواجب الإنساني ، ولا تنتج من البذل والمساعدة والخدمة التي تقدّم من باب التَفضُّل والمَنِّ والأذى ، ولا من باب الرِّياء وحبِّ الظهور وطلب استحسان الناس .


* الحقيقة العاشرة ـ كثيراً ما نفقد السعادة بسبب عدم تقديرنا لقيم الأشياء :

كان بنجامين فرانكلين (1706 ــ 1790 م) ، عالماً وسياسياً في آن واحد معاً ، فقد كانت له أبحاثه واختراعاته في مجال الكهرباء ومقاومة الصواعق ، كما كان سفيراً لبلاده في فرنسا ، وصاحب إسهامات في استقلال الولايات المتحدة ، ويبدو أنه فوق ذلك كله كان حكيماً ، وفقاً لما يظهر من كتاباته ومقولاته ، فقد قرأتُ له منذ سنوات طويلة حكمة دونتُها وحفظتها، وطالما تذكّرتُها واستحضرتُها ، لِما فيها من عمق في المعنى، وصدق في المضمون، يقول فيها : (إن شقاء الإنسان يعود لعدم تقديره لقيم الأشياء).

وتعقيباً على مقولة فرانكلين هذه وددتُ أن أقول : إننا في الجانب الاقتصادي من حياتنا ، ندرك غالباً أن الموارد محدودة والحاجات متزايدة، فينطلق سلوكنا الرشيد من محاولة الموازنة بين جانب تلك الحاجات والرغبات التي لا تكاد تحدها حدود ، وجانب الموارد المادية التي تتسم بالندرة والمحدودية، ومن قبيل هذه الموازنة أننا لا ندفع ثمناً لسلعة أو خدمـــة لا يتناسب مع ما تحققه لنا من إشباع . ولو أن ثمن منتج ما ارتفع بحيث أصبحت قيمته تزيد عن الإشباع المتوقع منه ، فإننا نبحث عن منتج بديل يحقق إشباعاً مشابهاً أو مماثلاً أو مُدانياً، ولا يكلفنا ثمن السلعة أو الخدمة الأولى المرتفعة ، وربما – إذا لم نجد البديل المناسب - استغنينا عـــن تلك السلعة أو الخدمة ولم نعد نطلبها بسبب ارتفاع ثمنها .

أما على المستوى النفسي والاجتماعي ، فكثيراً ما نكون أقل رشداً في استخدام الموارد ، فنبذل كثيراً من الطاقة ، ونعاني مزيداً من الضغط والتوتر والقلق ، ونحتمل ضيق الصدر ، ونهدر الوقت ، مقابل نيل أشياء زهيدة قد لا تستحق الثمن الذي ندفعه ، ومثال ذلك من يبذل الوقت والجهد وراحة البال من أجل تحقيق صورة له بين الناس، أو تجنباً لقول يقولونه أو حكم يطلقونه . ومثاله كذلك أن ندخل في منازعات قد نهدم على أثرها أسرة ، أو نفقد عملاً ، أو نخسر صداقة ، أو نضحي بالراحة ، لمجرد كلمة قيلتْ ، أو موقف صغير بدر من أحد الأطراف ، أو حتى لمجرد خيالات وتهيؤات أو قناعات بالية. ونحن في كل ذلك ندفع لقاء هذه الصغائر ثمناً من الطاقة ، والوقت ، والأعصاب ، وأذى النفس ، والإضرار بالآخرين ، أكثر مما تستحق الواقعة أو يستحقه الحدث .

ويبدو أن من يَخْبَرُ الحياة بوقائعها وأحداثها ، ويعيش صروفها ونوائبها، ويتأمل الأثمان المادية والمعنوية التي يتكلفها الناس في كثير من الأحيان لقاء ما لا يستحق ، يدرك أنه ليس ثمة في الدنيا ما يستحق القيمة أكثر من الصحة، والمحبة ، والسلام النفسي والاجتماعي والإنساني، وتحقيق الذات عن طريق الإنجاز الفعلي، والمعاني الأخرى الجليلة كالحق والخير والجمال ، وكل هذه قيم سامية تسهم في تحقيق السعادة .

إبراهيم كشت.

05 يونيو, 2017 02:29:31 صباحا
0