تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
بنت الحرام لجمعة شنب.. قصة قصيرة مختلفة

عندما تشرع في قراءة (بنت الحرام) للقاص المختلف جمعة شنب، فإنّك تشرع في قراءة قصص مختلفة، جديدة ذات نكهة خاصّة، لا تبحث فيها عن العلائق التقليدية التي تحكم القص التقليدي، وحتى الحداثي، وإنما ستجد نفسك أمام بطل في كلّ قصة، هو محور القصّة، ولكنّه ليس بطلها، وإنما تدور القصّة في رأسة، تتخذ المكان والزمان فيه، ولا تخرج منه، هكذا يتركنا هناك معلّقين، في الفراغ، حيث لا يقين، ولا توجيه أو إيحاء بتوجيه نحو نهاية مقترحة للقصّة، إنها تشبه القطع المشهدي غير المدروسة من مادّة الحياة، هكذا، يأتي جمعة بمقصّة، ويختار عشوائية مشهدية حيوية، يختار منها قطعة، ويتركها بحوافّها الحادّة كما هي، وسواء أكانت الحياة من الأسواق، أم كانت مما يعتمل في الرؤوس، فإنّه نادرا ما يبدأ ببداية تفضي إلى نهايتها المتوقعة، فنحن محكومون بالطريق، ولسنا من يختار تلك الطريق... ثمّة رؤية فلسفية واضحة وراء تلك القصص، ولكنّها تحتاج إلى أن نطلّ عليها من بين السطور.

حاولت أن أتحرّر مما كتبه أستاذنا الأستاذ الدكتور إبراهيم السعافين على غلاف المجموعة، ولكنّني لم أستطع، وكيف أستطيع وقد قرأته؟

يقول د. سعافين عن المجموعة: «تظل هذه المجموعة ذات صلة وثيقة بأسلوب جمعة شنب في القص؛ من حيث الاقتصاد في اللغة، والبراعة في البناء، والطرافة في الفكرة، وحضور السخرية والمفارقة بقوّة، والإدهاش في ربط الشخصيّة بالموقف دون نمطية أو تكرار، على أنّ لها نكهتها الخاصّة في مزج الواقعي بالغرائبي وبالعجائبي أحيانا»

ويكتب د. سعافين ثلاث فقرات أخر، تلخّص الرؤية الفنية الموضوعية لأي ناقد يريد أن يلج إلى أجواء هذه المجموعة المثيرة حقّا، وتثير الشغف إلى قراءتها، وتثير المخيلة حول القصّة التي يتبادر إلى الذهن أول مرّة أنّها ليست قصّة لمن لم يعد النظر في القصة الواحدة مرّتين.

تأتلف القصّة كي نطلق عليها مسمّى قصة، ضرورة، على العناصر التقليدية القارّة: شخصية وحدث في زمان ومكان، هكذا، وكان يضاف بداية، مشكلة، حل، نهاية، ولكنّنا هنا أمام قصّة جديدة، سواء أكان في بنائها، أم كان في تجديدها على البنية التقليدية، ولكي تكون الكتابة عن مجموعة بنت الحرام، سأختار قصّة من هذه القصص عشوائيا، وأقرأها، قراءة قصّة، لنرى ما الذي نتحدّث عنه في براعة جمعة شنب في هذه المجموعة، وبلا موعد أو تدقيق اخترت قصّة (شاي مرّ)، ولنقرأ القصّة أولا:

شاي مرّ

عند الواحدة وسبع عشرة دقية من بعد منتصف ليلة أمس زارني الموت!

كان أشعث، أغبر، وكأنّ على رأسه الطير.

كانت المرّة الأولى في حياتي التي عرفت فيها أنّ هذا السيّد القويّ يحبّ الشاي، فقدّمت له طنجرة كاملة، ليسألني بتهذيب شديد عن نوعه، ولما عرف أنّه من ماركة الغزالين، انفرجت أساريره، لكنّه عاد وسأل بخجل عمّا إذا كان من ذاك المعبّأ في أكياس صغيرة، أم إنّه ذاك الذي يباع بالأوقيّة، فأكّدت له أنّني ابتعت أوقيّتين منه قبل أسبوع، فسأل الله أن يرضى عنّي، وجرع الكميّة الكبيرة الساخنة المرّة، مرّة واحدة، ثمّ تمطّى على سريري، وناولني ورقةً، وغرق في الشخير.

فهمت أنّه، في استراحته القصيرة هذه، قد أوكل إليّ أمر قبض أرواح ثلاثة من أهالي الحي، واثنين وعشرين روحا من أرواح جيراننا في الحي المجاور.

عرفت من القائمة ستة أسماء، وفركت راحتيّ فرحًا بوجود اسم صاحب محلّ الأحذية، جنب الرقم تسعة، فحرّكت جناحيّ العظيمين، وصفقتهما بجنبيّ جسمي، وطرت باتجاهه..

إنّها فرصة لن تتكرّر يومًا، أن أظفر بحنجرة زين، وأسحب منها روحه كما تسحب قطعة من حرير القز من كومة شوك: سأفتح فمه، وأحدّق في أسنانه المتسوّسة،وفي اللحميّة المتدلّية من سقف حلقه، وسأجرّها بالكماشة، حتى تصل إلى نصف لسانه، ثم أطلقها.

كيف لا وقد سخر من أبي يوم راح يشتري لي حذاءً، وقال له: «اذهب إلى سوق المستعمل»؟!

سأبصق في وجهه أوّلًا، ثم أفعل به الأعاجيب، وسأحمل روحه وأعود بها إلى البيت، وسأصنع شايا جديدًا للسيد موت، وأخبره أنّني لم أقبض سوى روح واحدة. (1)

ونلاحظ في قراءة القصّة ما يأتي:

1. لإيهام بالواقعيّة: وذلك من خلال استخدام الفعل الماضي (زارني) وتحديد الساعة والدقيقة.

2. نسنة الموت، فهو يقوم بالزيارة، ويطلب الشاي، ويحدّد نوع الشاي، ويشربه، ويسترخي، وكلّ هذا سيكون توطينا للغرائبي في القصّة. 

3. تبديل الأدوار، فالموت الزائر يوكل عمله للبطل في القصّة، وينام، وتنتقل خيارات الموت من الحياد (قائمة في خمسة وعشرون اسما)، إلى رغبة البطل في قتل شخص واحد.

4. انتقال السرد من الخارجي إلى الداخلي: فرحت، وفركت يدي...

5. انتقال السرد إلى الذهن: سوف وسوف وسوف، وتحديد الخيار الذي يريدة البطل من القائمة، وأنّه سيكتفي بروح واحدة؛ ذلك أنّ تلك الروح هي التي تستحق الموت، وهنا نحن أمام ما يجعلنا نعود إلى بداية القصّة، فالفعل لم يتحقق، ويبقى القارئ في حيرة، هل حدث أم لم يحدث ما فكّر به البطل وقائعيا، فنحن معلّقون عند اللحظة التي استلم فيها البطل القائمة، من هناك غادرت القصّة السير السردي الحدثي، وحدثت في الدماغ.

إن ما أسلفت يعطينا لمحة عن الحدّ الفاصل بين الوقائعي والغرائبي في قصّة جمعة شنب، فكثير من القصص تحدث في الرأس، في التأملات، ولا تحدث في الواقع، وما الواقع، أو بعض الأحداث الوقائعية إلا مفاتيح للتأملات الشاردة.

الغرائبي هنا يتمثّل في العبارة: (زارني الموت)، والفانتازي بوصفه (كان أشعث أغبر كأن على رأسه الطير) أي نقل الخوف إلى الموت المخيف.

القراءة في مجموعة (بنت الحرام) ليست قراءة وثوقية، لأنّ القصّة ليست وثوقيّة، وإنما هي قصّة/ حدث يأخذ مفتاحه من الوقائعي: السوق، والمقهى، والعشب، والأرض، وأي مكان أو حوار طارئ، ثمّ تتكوّن الأسئلة في رأس السارد، بصورة أسئلة، أو بصورة مثيرات لأسئلة، مما يجعل القارئ (يعلّق القراءة) ويذهب في التأمّل، لأنّ التأملات نفسها التي يعطيها السارد (ليست وثوقيّة) أيضا، بمعنى أن القراءة هنا تبدأ ولا تنتهي؛ فالنص مفتوح على غير قراءة، مع امتلاكه جماليات التشويق، والإشراق، ومع قدرته على أن يكون ممتعا بذاته، دون تعليق القراءة، والبدء بقراءة الذات، ولكنّ القارئ الحصيف، الباحث، لا بدّ من أن يعلّق القراءة، ويبدأ قراءته هو بانفتاح القصّة على ما هو خارج التناول من أسئلة عميقة.

فنيّا، تقدم القصّة عند جمعة شنب إرسالياتها الجمالية عبر حفاظها على عناصر القصّ التقليدية، مع تحرّرها التام من ذاكرة القصّة بتسلسلها المعروف، وهذا يسجّل إضافة حقيقيّة للقصة القصيرة، فنا وأسلوبا ورؤيا.

21 يوليو, 2017 09:53:46 صباحا
0