Skip to main content

الاعتداء على الأطفال

كانت حالة غريبة من حالات الاعتداء على الأطفال؛ وقفت جانيت في المحكمة متَّهَمة بتكرار محاولة خنق طفلتها لوسي — مع العلم بأن هذين الاسمين مستعاران — ثم هُرِعَتْ إلى المستشفى مدعية أن رضيعتها تعاني نوبة صرع. استمعت المحكمةُ إلى الأسباب التي أدت بجانيت إلى فعل ذلك؛ وهي أنها تستمتع بالاهتمام الذي يغمرها الأطباء به هي وابنتها.

راود الشك طبيبًا يقظًا تجاه الحالة؛ ما دفعه إلى احتجاز لوسي في المستشفى أسبوعين تحت الملاحظة. وعلى الرغم من زعم إصابتها بنوبات صرع عديدة في المنزل، لم تُصَبْ بنوبة واحدة خلال فترة احتجازها بالمستشفى. واقترح الطبيب القيام بإجراءٍ ما مِنْ أجل التحقق مما إذا كانت نوبات لوسي حقيقية؛ فهددت جانيت باصطحاب الطفلة للمنزل. وهذا ما جعل المحكمة تتوصل إلى أن ما تفعله إنما هو شكل من أشكال الاعتداء على الأطفال يُطلَق عليه «متلازمة مانشهاوزن بالوكالة»؛ وفيه يدَّعي أحد الوالدين مرض طفله أو يحفزه. وهكذا فقدت جانيت حضانة لوسي.

ولكنَّ جانيت لا تسيء معاملة طفلتها، ولم تُؤْذِها أبدًا. ولمَّا أدركت السلطات أنها ارتكبت في حقها خطأ جسيمًا — وذلك عندما أُصِيبَتْ لوسي بنوبات صرع بالفعل أثناء وجودها في دار الرعاية — أُعِيدَت الطفلة إلى والدتها في نهاية المطاف. وتقول جانيت عن ذلك: «عشتُ كابوسًا مزعجًا.»

يرى بعض الأطباء والمحامين أن حالة جانيت ليست فريدة من نوعها. فلا أحد يُشكِّك في وجود متلازمة مانشهاوزن بالوكالة، ولكن — كما يقول النقاد — تُفسِح المتلازمةُ المجالَ لاستخدامها في اتهامات ظالمة. فيشيرون إلى أن المعطيات العلمية التي تقوم عليها الحالة معيبة على نحو خطير، ويمكن ادعاء الإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة باستخدام القليل من الأدلة المبرهِنة. وفي بعض الأحيان يحدث ذلك بفعل أشخاص ذوي معرفة ضئيلة بالحالة أو غير مدربين طبيًّا على الإطلاق. حتى إن هناك من يقول إن مصطلح متلازمة مانشهاوزن بالوكالة مصطلح مضلل؛ ولذلك ينبغي التخلي عنه. ولذا نتساءل: هل أدى المصطلح إلى موجة من إساءة تطبيق العدالة؟

ذُكِر مصطلح متلازمة مانشهاوزن بالوكالة لأول مرة في عام ١٩٧٧. وقبل ذلك بحين، كان الأطباء يستخدمون بالفعل مصطلح متلازمة مانشهاوزن للإشارة إلى المرضى الذين يؤذون أنفسهم أو يختلقون المرض مرارًا وتكرارًا لتلقي الرعاية والاهتمام من الأطباء. (يرجع الاسم إلى المغامر الألماني، البارون فون مانشهاوزن، الذي كان مشهورًا بالحكايات الخيالية في القرن الثامن عشر.) ولكن من ناحية أخرى، فإن أولياء الأمور الذين يعانون من متلازمة مانشهاوزن بالوكالة — ودائمًا هم أمهات — يختلقون أعراض الأمراض أو يحفزون ظهورها لدى أطفالهم؛ وذلك لتلقي اهتمام من العاملين في الرعاية الصحية على نحو غير مباشر.

حالة متلازمة مانشهاوزن بالوكالة التي تمت الإشارة إلى حدوثها عام ١٩٧٧ كانت لطفلة تُدعى كاي وتبلغ من العمر ست سنوات. كانت الطفلة تعاني — فيما يبدو — من نزول دم مع البول على نحو دوري، ولكن عجز الأطباء عن تحديد مصدر المرض. تحملت الطفلة مختلف الإجراءات الطبية — من بينها تحليلان نسائيان تحت التخدير العام — وأُعطِيَت العديد من الأدوية التي كان لبعضها آثار جانبية مزعجة. وانقشع الغموض الذي كان يكتنف الحالة فقط عندما اكتشف أحد الأطباء أن والدة كاي كانت تضيف دمها لعينات البول.

أحيانًا تتصدر متلازمة مانشهاوزن بالوكالة عناوين الأخبار. في عام ١٩٩٣، ساءت سمعة الممرضة بيفرلي أليت في المملكة المتحدة كمثال مفترض لشخص يعاني هذه الحالة بعد إدانتها بقتل أطفال عدة تحت رعايتها. (على الرغم من أن تحقيقًا حكوميًّا لاحقًا خلص إلى أنها حقًّا تعاني اعتلالًا نفسيًّا.) وأثار طبيب الأطفال ديفيد ساوثال — في مستشفى نورث ستافوردشير في ستوك أون ترينت — صدمة عارمة وتشكيكًا واسع النطاق، عندما استخدم كاميرات خفية في المستشفيات للقبض على الأمهات متلبسات بخنق أطفالهن.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تسببت كاثي بوش — من مدينة كورال سبرينجز بفلوريدا — في مرض ابنتها جيني من خلال إعطائها جرعات زائدة من الأدوية ووضع البراز في أنابيب الإطعام المعوي. وحينما اكتُشِف ما تفعله كاثي، كانت جيني البالغة من العمر ثماني سنوات قد احتُجِزَتْ في المستشفى قرابة ٢٠٠ مرة، وخضعت لنحو ٤٠ عملية جراحية غير ضرورية، بما في ذلك إزالة المرارة والزائدة الدودية وجزء من الأمعاء.

وكثيرًا ما يُشار في المجلات الطبية إلى أنه ينبغي أن يوجد مزيد من الوعي بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة، وإلى أن الأطباء يستغرقون وقتًا طويلًا لإدراك ما يحدث. ويشير هربرت شراير — الخبير في متلازمة مانشهاوزن بالوكالة ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال في مستشفى الأطفال بأوكلاند في كاليفورنيا — إلى أن الجناة خبراء في خداع الأطباء، ويضيف قائلًا: «تعرف هؤلاء الأمهات ما يفعلن تمام المعرفة.» ويمكن أن تكون النتائج المترتبة على عدم التعرف على متلازمة مانشهاوزن بالوكالة كارثية؛ إذ يُقال إن واحدًا من كل ثلاثة أطفال في مثل هذه الحالات يلقى حتفه.

ولكن ماذا نعرف في الواقع عن متلازمة مانشهاوزن بالوكالة؟ إن تقديرات انتشارها بين الأشخاص نادرة، ولكن أُجْرِيَت الدراسة الأكثر منهجية في المملكة المتحدة خلال أوائل تسعينيات القرن العشرين. فأشارت إلى أن نحو طفل واحد من بين كل ١٠٠ ألف طفل دون سن الخامسة يعاني سوء المعاملة الناجم عن متلازمة مانشهاوزن بالوكالة. وتتراوح تقديرات عدد القضايا التي تُعرَض على المحاكم في المملكة المتحدة بين ٧٠ إلى ٢٠٠ قضية سنويًّا.

ولكن على الرغم من نشر نحو ٤٥٠ ورقة بحثية عن هذا الموضوع، فإنه يوجد خلاف كبير حول ماهية هذه المتلازمة بالضبط. فبينما يرى الأطباء النفسيون أنها مرض عقلي يؤثر على الأم، فإن أطباء الأطفال يعرِّفونها بأنها أحد أشكال الاعتداء على الأطفال. ويقول جو سيبرت، أستاذ صحة الطفل المجتمعية في جامعة ويلز بكارديف: «لا يمكنك بالتأكيد تشخيصها من خلال تشخيص الأم.» ولكن هذا هو بالضبط ما يفعله الأطباء النفسيون. فبالنسبة لهم، ما يهم هو ما يحفز الأم.

يتجاوز الجدل دلالات الألفاظ. فما إذا كان ينطبق المصطلح على الأم أو الطفل يؤثر في طريقة تفكيرك (أو تفكير هيئة المحلفين) في متلازمة مانشهاوزن بالوكالة. فعلى سبيل المثال، حاول بعض المحامين استخدام التشخيص كوسيلة للدفاع ضد الملاحقة القضائية؛ دفاع بادعاء الجنون. ولا يكون ادعاء أن «متلازمة مانشهاوزن بالوكالة جعلتني أفعل ذلك» منطقيًّا، إلا إذا كانت مرضًا عقليًّا.

تتمثل إحدى النتائج الخطيرة الأخرى لهذه المنافسة السريرية في أن أطباء الأطفال والأطباء النفسيين يصفون الجناة بطرق مختلفة. وقد نشر الباحثون في كلا التخصصين قوائم بسمات الشخصية أو أنماط السلوك التي يقولون إنها مشتركة لدى الجناة. وبالرغم من وجود بعض أوجه التشابه بين هذه القوائم، فلا يستطيع التخصصان الاتفاق على سلوكيات الأم التي ينبغي استخدامها كعلامات تحذير على سوء المعاملة. وحتى داخل التخصص الواحد، تتناقض القوائم المختلفة.

إذن، ما الذي ينبغي أن يبحث عنه الأطباء؟ وفقًا للدراسات البحثية، ربما تشارك الأم المصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة على نحو مكثف في رعاية طفلها، وتقضي وقتًا طويلًا في المستشفى (انظر الجزء بعنوان «ادعاء إصابة الطفل بالمرض» فيما يلي.) وعادةً ما تبني صداقات وثيقة مع طاقم المستشفى، وغالبًا ما تكون على دراية بحالة الطفل. وربما تتصرف بمبالغة وتلفت الانتباه إليها، أو تبدو هادئة وغير مبالية بمرض الطفل. وعندما يتحدى شخص مشاركتها في الرعاية قد تغضب، أو ربما تكون هادئة ومتعاونة على نحو مفرط. ويقول مارك روبرتس، فيلسوف العلوم في جامعة نيويورك الحكومية في ستوني بروك، الذي درس الأساس العلمي لهذه المتلازمة: «لا يوجد حقًّا أي اتساق في هذه الأعراض.» فيرى أن القوائم تمثل كل التشخيصات التي يمكن أن تتناسب تقريبًا مع أي امرأة.

والمثير للدهشة أنه لم يضع أحد في اعتباره عدد أمهات الأطفال المرضى حقًّا، اللاتي يُظْهِرن أيًّا من هذه السمات. ويرى النقاد مثل روبرتس أنه من أجل الموثوقية العلمية، ينبغي للباحثين أن يقارنوا سلوك الآباء المصابين بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة مع سلوك مجموعات ضابطة من آباء الأطفال المرضى حقًّا. كما يشيرون إلى أن الكثير من علامات التحذير المفترضة شخصية للغاية، ويمكن أن تصف بالمثل أمًّا عادية مهتمة برعاية طفلها.

حتى إنكار الاعتداء يُعَدُّ عنصرًا أساسيًّا في تشخيص متلازمة مانشهاوزن بالوكالة؛ مما يضع الأم في أحداث كابوس عصيب لا مفر منه. ويقول توم ريان، وهو محامي دفاع متخصص في قضايا متلازمة مانشهاوزن بالوكالة في تشاندلر بولاية أريزونا: «في كل الأحوال تكون الأم مدانة.»

ويرى عالم النفس إريك مارت من مانشستر بنيو هامبشير — وهو أحد المشككين في متلازمة مانشهاوزن بالوكالة — أن المعطيات العلمية التي تقوم عليها المتلازمة لن يثبت صدقها إذا ما خضعت للتدقيق الشديد في أحد صفوف الطلاب الدارسين لمناهج البحث. ويقول إن المؤلفات الطبية التي كُتِبَتْ بشأنها ليست سوى مجموعة من الحكايات السريرية، الخالية حتى من محاولات التأكد من صحتها. ويضيف قائلًا: «هناك نزعة لقبول المعتقدات السريرية بوصفها علمًا.»

تنبع المشاكل أيضًا من اتساع نطاق المتلازمة؛ إذ تضم — على حد سواء — الأمهات اللائي يبالغن فحسب في وصف أعراض أطفالهن، وهؤلاء اللائي يفعلن أشياء متطرفة، مثل تسميم الأبناء. فالمبالغة يمكن أن يكون لها عواقب ضارة؛ إذ تحفز إجراء بعض الفحوصات الطبية غير الضرورية، مثلًا، ولكن ليس من المفترض أن تدخل في تعريف متلازمة مانشهاوزن بالوكالة. ومع ذلك، يمكن أن يكون من الصعب التمييز بين اختلاق الأعراض والمبالغة فيها.

أحد مبررات جمع هذا النطاق الواسع من السلوكيات في متلازمة واحدة هو افتراض أن «المبالِغات» و«المختلِقات» يمضين قدمًا نحو تحفيز المرض. ولكن لا توجد أي دراسات علمية حول مدى تكرار حدوث ذلك.

حتى معدل الوفاة المزعوم — البالغ واحدًا من بين كل ثلاثة أطفال مصابين بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة — قد لا يكون له أساس علمي. فمصدر هذا المعدل دراسة ضمت ١٣ طفلًا، أربعة منهم لقوا حتفهم. ولكن حالات هذه الدراسة اختيرت للبحث على وجه التحديد بسبب خطورتها. ومع ذلك، فقد استُخدِم «معدل الوفيات البالغ ٣١ بالمائة» في المحكمة لتبرير الإنكار الكامل لحقوق المدانين في الوصاية على أبنائهم.

ولكن بدأت وقائع المحاكمات مؤخرًا في زعزعة الأسس العلمية للمتلازمة. والجدير بالذكر أن العالِم الذي صاغ مصطلح متلازمة مانشهاوزن بالوكالة هو طبيب الأطفال البريطاني المثير للجدل روي مِدو الذي تقاعد حاليًّا، وتعرضت شهادته في محاكمة المحامية سالي كلارك في عام ١٩٩٩ لانتقادات واسعة النطاق؛ مما وضع مصداقيته العلمية تحت رقابة مشددة.

أُدِينَتْ كلارك بقتل اثنين من أطفالها، وظلَّتْ في السجن أكثر من ثلاث سنوات قبل أن يُطلَق سراحها في الاستئناف في يناير من هذا العام (٢٠٠٣). فإلى جانب تقديم أدلة شاملة حول متلازمة مانشهاوزن بالوكالة في المحاكمة، قدَّم مِدو إحصائية — ثبت أنها معيبة في الوقت الراهن — تشير إلى أن فرصة حدوث حالتين من متلازمة موت الرضيع الفجائي في نفس الأسرة هي ١ من بين ٧٣ مليونًا. وللوصول إلى هذا الرقم، افترض أن الحدثين مستقلان إحصائيًّا — ليس لديهما سبب محتمل مشترك — وهكذا ضرب فرصة وفاة أحد أفراد عائلة من متلازمة موت الرضيع الفجائي في نفسها، وتجاهل احتمالية وجود سمات بيئية منزلية أو عوامل وراثية مشتركة ساهمت في حالتَي الوفاة. ولذا يشير مارت إلى أن مِدو لا يبدو ملمًّا بأساسيات الإحصاء.

المصداقية العلمية لمِدو مهمة؛ لأنه ألَّف العديد من الأبحاث الأساسية التي ترسخ صحة وجود متلازمة مانشهاوزن بالوكالة كمتلازمة طبية. والأكثر من ذلك أنه كان السبب الرئيسي في محاكمات ناجحة لكثير من حالات الإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة بصفته شاهدًا خبيرًا.

وفي حين أن خطأً واحدًا لا يمكن أن ينزع المصداقية تلقائيًّا عن الحياة المهنية لعالِم بأكملها، فإن ارتكاب مثل هذا الخطأ الأساسي — عندما تكون أمور خطيرة على المحك — يشير إلى أن أعماله السابقة تحتاج للتدقيق. وعندما اتصلت به مجلة نيو ساينتيست، رفض مِدو التعليق أو مناقشة أي جانب من جوانب الحقائق العلمية الكامنة وراء متلازمة مانشهاوزن بالوكالة.

يتمثل خطر آخر في أن غموض مجموعة سمات الأم — المصابة بالمتلازمة — وشموليتها تفسحان المجال لادعاءات كيدية أكثر من غيره من أشكال الاعتداء على الأطفال. فمن المعروف أن الآباء في معارك الحصول على الحضانة يُقدِّمون ادعاءات كيدية ضد زوجاتهم السابقات. ويشير ريان إلى أنه حتى المتخصصون في الرعاية الصحية يفعلون ذلك كوسيلة للدفاع ضد شكوى المريض من الإهمال الوظيفي. ويقول إنه يعرف أكثر من ٢٠ حالة في الولايات المتحدة قدَّمَ الأبُ فيها أو الطبيب — حسب زعمه — ادعاءً كيديًّا.

وفي المملكة المتحدة، تقول الطبيبة النفسية ليزا بلاكمور براون من غرب ساسكس — التي لديها خبرة كبيرة في متلازمة مانشهاوزن بالوكالة — إنها تعرف أكثر من ٣٠ حالة لم تُقدَّم فيها ادعاءات الإصابة إلا بعد أن اشتكى أحد الوالدين من الطبيب.

كما تشير إلى أنه حتى هيئات التعليم المحلية قدَّمت ادعاءات مشكوكًا فيها ضد الآباء الذين يحاربون من أجل الحصول على تمويلٍ للتعليم الخاص المكلِّف الذي يحتاجه الأطفال المرضى. وتحدثت مجلة نيو ساينتيست إلى أم تعتقد أن هيئة التعليم المحلية تصرفت على هذا النحو معها، ولا يمكن الكشف عن اسمها لأسباب قانونية؛ فادعاءاتها يصعب إثباتها، وتنفي هيئة التعليم المحلية أي دوافع غير مصلحة الطفل. ولكن قصتها محبطة؛ ففضلًا عن حرمان طفلها من التعليم الخاص الذي يحتاجه، دمرت هذه الادعاءات سمعتها في بلدتها المحلية؛ إذ تقول: «الأمر أشبه بمطاردة الساحرات ولكن في العصر الحديث.»

وفي كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، تُجرَى معظم الجلسات لقضايا الحضانة المرتبطة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة في محاكم الأسرة (المعروفة باسم محاكم الأحداث في الولايات المتحدة) على نحو سِرِّي. وتتبنى هذه المحاكم أيضًا — إلى حد كبير — قدرًا أقلَّ من عبء الإثبات مقارنة بالمحاكم الجنائية. وفي المملكة المتحدة وبعض الولايات الأمريكية، يجب على الادعاء أن يثبت «أرجحية الأدلة» التي يُقدِّمها، وليس عليه أن يثبت أنها «لا تدع مجالًا للشك». وعندما يهدد الحكم الخطأ بتعريض طفل للخطر، فإن المحاكم تميل إلى اتخاذ جانب السلامة وتدين المتهم. ولكن هذا يمكن أن يعني أن المتهم عليه فعليًّا إثبات براءته بدلًا من أن يُثبِت الادعاء إدانته.

قدَّم حُكْمُ محكمةٍ حديثٌ في ثلاث قضايا اختبارية بعضَ الأمل للأُسَر البريطانية التي تمزَّقَتْ روابطها بسبب اتهامات كاذبة بالإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة؛ إذ حكم ثلاثة قضاة في محكمة الاستئناف الشهر الماضي بأنه يمكن للأطفال في المستقبل مقاضاة مسئولي الرعاية الصحية والسلطات المحلية في الحالات التي يُدان فيها الآباء خطأً بالاعتداء على الطفل — بما في ذلك متلازمة مانشهاوزن بالوكالة — بالرغم من عدم منح الآباء أنفسهم هذا الحق. ويبقى أن نرى ما إذا كان من المحتمل أن تردع التبعاتُ القانونية الأطباءَ والأخصائيين الاجتماعيين عن تقديم ادعاءات كيدية بالإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة.

ويعتقد اللورد هاو — المتحدث باسم المعارضة في المجال الصحي في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة — أن الجمع بين محاكم الأسرة السرية والمعطيات العلمية الهشة الكامنة وراء متلازمة مانشهاوزن بالوكالة أدى إلى فقدان العديد من الأمهات البريئات لأطفالهن. وقال في تصريح لمجلة نيو ساينتيست: «إن إبعاد طفل عن والديه أحد أكثر الأمور الوحشية التي يمكن للمجتمع القيام بها.» وأضاف موضحًا أن هذا يعني أنه في مثل هذه الحالات يجب أن تكون المعطيات العلمية لا ريب فيها، وهذه ليست الحال في هذا الوقت. ويشير هاو إلى أن لديه «شكوكًا خطيرة» حول صحة اعتبار متلازمة مانشهاوزن بالوكالة متلازمة من الأساس.

يعتقد بعض الأطباء أننا يجب أن نتخلى عن مصطلح متلازمة مانشهاوزن بالوكالة والمصطلحات المشابهة — مثل «الاضطراب المفتعل» — واستخدام تعبيرات تمثل حقائق معروفة عن الحالات الفردية بدلًا منها. فكما يقول كولن مورلي — أستاذ طب حديثي الولادة في مستشفى رويال ويمن في ملبورن بأستراليا — التسمية «ليست لها أي فائدة تشخيصية أو علاجية، فهي تثير العواطف فحسب وتَحُول دون الاستعانة بأي منهج عقلاني مدروس.» ويوافق ريان قائلًا: «لماذا لا نسميها بما هي عليه؟! لماذا نطلق عليها هذا الاسم المقصور فهمه على فئة معينة والذي لا يضيف إلى معلوماتك؟!»

لم يدَّعِ أحدٌ تواصَلَت معه مجلة نيو ساينتيست عدم وجود هذا النوع من الاعتداء على الأطفال، فقد كانت هناك العديد من الحالات التي ثبت فيها الاعتداء بالدليل القاطع؛ ولذا يجب على خبراء الصحة الذين يشتبهون في الحالة أن يتحققوا منها. غير أن المنتقدين يقولون إن الاتهامات غير المبررة بالإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة تُدمِّر حياة الأطفال من خلال إدانة الآباء الأبرياء. ويقترح روبرتس أنه إذا كان ولي الأمر يختلق الأعراض أو يسببها حقًّا، فإنه يجب على الأطباء وصف ما يحدث ببساطة. ويضيف: «لا تَقُلْ متلازمة مانشهاوزن بالوكالة، وإنما قُلْ الاعتداء على الطفل.»

كان لإدانة جانيت عواقب وخيمة بالنسبة لبقية عائلتها؛ إذ كان لديها ابن مصاب بعيب خلقي في القلب، وتُوفِّي تقريبًا عندما شكَّك الأطباء الذين عرفوا بزعم إصابتها بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة في أن أعراضه حقيقية. وتقول جانيت عن ذلك: «حصلت على اللقب الآن، ولا أحد يأخذني على محمل الجد.»

وحتى في الوقت الراهن، لا يزال الأطباء يعاملون جانيت بريبة. توجد ورقة صفراء في ملف ابنتها تتضمن تفاصيل إدانتها بالإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة. لم تقرأها أبدًا، لكنها قرأت رد الفعل على وجوه الأطباء الذين يرون أطفالها للمرة الأولى؛ فتقول: «عندما يفتحون الملف، يخيم عليهم الصمت، ثم يعاملونني وكأنني غريبة الأطوار.»

ادعاء إصابة الطفل بالمرض

فيما يلي بعض السمات التي تُميِّز هؤلاء الآباء والأمهات وتُعَدُّ مؤشرًا على الإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة. ومع ذلك، يقول المتشككون إنها يمكن أن تنطبق على الأبرياء:

  • يكون في كثير من الأحيان حاصلًا على قدر من التدريب الطبي.
  • يكون على دراية واسعة بمرض الطفل.
  • يسعى باستمرار لعمل الفحوصات والتحليلات والإجراءات الطبية.
  • نادرًا ما يستقبل زائرين من خارج المستشفى.
  • يغالي في حماية طفله، ويحبه لدرجة الجنون.
  • يشارك الفريق الطبي على نحو مكثف في العلاج، ويصير تقريبًا جزءًا منه.
  • ينكر الإصابة بمتلازمة مانشهاوزن بالوكالة، عندما يُواجَه بها.
  • يقاوم العلاج النفسي.
16 Dec, 2015 03:18:57 PM
0