Aller au contenu principal

اكتشاف السرطان عبر عينة من الدم

شاهدَ بيرت فوجلستين شقيقه يموت إثر إصابته بنوع من السرطان لا علاج له. والآن بعدما أصبح واحدًا من أشهر الباحثين في مجال السرطان يرى أن الوقت قد حان لاتباع خطة بديلة.

 

كانت الإجابات التي يحتاجها بيرت فوجلستين ويخشاها كذلك تكمن في عينة دم. إن بيرت فوجلستين أحد أكثر العلماء الذين يُستشهد بأبحاثهم على مستوى العالم، ووُصِف في ثمانينيات القرن العشرين بأنه استطاع اقتحام «حصن السرطان المنيع» بعدما وضح — بالتعاون مع زملائه في جامعة جونز هوبكنز — لأول مرة كيف تتحول سلسلة من طفرات الحمض النووي — التي تتراكم في صمت على مر عقود — إلى خلايا سرطانية؛ ومن ثم ساعد على إثبات أن الحمض النووي التالف هو سبب السرطان.

مصدر الصورة: أيستوك فوتو.

مصدر الصورة: أيستوك فوتو.

يترأس بيرت فوجلستين مختبرًا يحقق إنجازات مذهلة في مجال                        الاكتشاف المبكر للسرطان. (تصوير: جوزيف فيكتور ستيفانشيك).

يترأس بيرت فوجلستين مختبرًا يحقق إنجازات مذهلة في مجال الاكتشاف المبكر للسرطان. (تصوير: جوزيف فيكتور ستيفانشيك).

والآن تخيل أن في وسعك رؤية تلك الطفرات — أي رؤية السرطان نفسه — في عينة دم. تطلق جميع أنواع السرطان تقريبًا حمضًا نوويًّا في مجرى الدم، وقد استطاع فوجلستين في مختبره بجامعة جونز هوبكنز تطوير تقنية — تدعى «الخزعة السائلة» — يمكنها العثور على هذه المادة الوراثية الدالة على السرطان.

أصبحت هذه التكنولوجيا متاحة بفضل الأجهزة التي تحدد تسلسل الحمض النووي في عينة الدم سريعًا، بحيث يستطيع الباحثون اكتشاف الحمض النووي للورم حتى وإن كان موجودًا بكميات زهيدة. وحتى الآن درس علماء جامعة هوبكنز — الذين يعملون جنبًا إلى جنب مع الأطباء المعالجين للمرضى في أكبر مركز لدراسة الأورام في مدينة بالتيمور — عينات دم من أكثر من ألف شخص، ويقولون إن الخزعات السائلة قد تستطيع اكتشاف السرطان قبل ظهور أعراض المرض بفترة طويلة.

إلا أن عينة دم واحدة كانت تحمل طابعًا شخصيًّا؛ إذ كانت ترجع إلى شقيق فوجلستين، وهو جراح عظام يصغره بعام واحد، ويصارع سرطان الجلد الذي كان ينتشر في جسده بالفعل. كان الأمل ينحصر في أن يستجيب لعقار من نوع جديد، لكن هذا العلاج سبَّب تورمًا، وكان من الصعب معرفة ما إذا كان السرطان يتبدد أم لا عبر الأشعة السينية أو الأشعة المقطعية؛ لذا استخدم فوجلستين التقنية الجديدة التي اكتشفها في مختبره: إذا كان الحمض النووي للسرطان قد اختفى من الدم، يمكنهم الاحتفال، أما إذا كان ما زال موجودًا، فربما يستطيع فوجلستين توجيه شقيقه نحو تجربة عقار آخر في محاولة أخيرة؛ فيقول: «حاولنا توجيه العلاج، كان ذلك هو الأمل على أية حال.» وتغيرت نبرة صوته، ولم يقل ماذا حدث بعد ذلك. لكن نعي باري فوجلستين — المولود في بالتيمور — ظهَر يوم ٣ يوليو ٢٠١٣.

نحن لا نحقق انتصارًا في معركتنا ضد السرطان، وموت شقيق فوجلستين يوضح لنا سبب ذلك؛ فأنواع كثيرة من السرطان يُكتشف وجودها بعدما تصبح مستعصية على العلاج. في كل عام يُنفَق ٩١ مليار دولار على أدوية السرطان في جميع أنحاء العالم، لكن معظم تلك الأدوية تُعطى للمرضى بعد فوات الأوان؛ إذ تكلف أحدث العلاجات — التي أعدت بتكاليف باهظة — ١٠ آلاف دولار شهريًّا، وغالبًا ما تطيل الحياة بضعة أسابيع فحسب؛ لذا تُنتِج شركات الأدوية وتَختَبِر عقاقير لعلاج السرطان في مراحله المتأخرة أكثر ممَّا تنتجه لعلاج أي مرض آخر.

يقول فوجلستين: «افتتنا — بوصفنا علماء وأيضًا بوصفنا أفراد من العامة كذلك — بفكرة علاج السرطانات في مراحلها المتأخرة، تلك هي الخطة الرئيسية التي يتبناها المجتمع، لكني لا أعتقد أن علينا الاستمرار في هذا الوضع.» إذ توجد طرق أخرى لتقليل الوفيات الناتجة عن السرطان؛ ألا وهي استخدام كريم يقي من أشعة الشمس، والابتعاد عن التدخين، وإجراء فحص سنوي لاكتشاف السرطان مبكرًا. من وجهة نظر فوجلستين، كل تلك الخطوات الوقائية تمثل «خطة بديلة» لأنها تلقى قدرًا أقل بكثير من الاهتمام والتمويل. مع ذلك عندما تنجح الوقاية، فإنها تحقق نتائج أفضل من أي عقار؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية قلت احتمالات الوفاة نتيجة لسرطان القولون بنسبة ٤٠٪ عما كانت عليه عام ١٩٧٥، ويرجع ذلك في الغالب إلى فحص تنظير القولون، وكذلك أصبح سرطان الخلايا الصبغية الجلدي (الميلانوما) قابلًا للعلاج عبر الجراحة إذا اكتُشف مبكرًا؛ ومن ثم يعلق فوجلستين قائلًا: «نحن نعتقد أن الخطة البديلة ينبغي أن تصبح الخطة الرئيسية.»

قد يصبح ذلك واقعًا مع اختبارات الدم الجديدة؛ فلأول مرة أعلن الباحثون بجامعة هوبكنز أنهم على وشك التوصل إلى وسيلة فحص عامة يمكن استخدامها لإجراء بحث شامل — ربما أثناء الفحص الطبي السنوي للجسم — عن آثار السرطان الجزيئية لدى الأشخاص الذين لم تظهر لديهم أعراض، يقول فيكتور فيلكوليسكو — الباحث بجامعة جونز هوبكنز الذي يدير مختبرًا في المبنى المجاور لفوجلستين: «نعتقد أننا توصلنا إلى حلٍّ لمعضلة الاكتشاف المبكر.»

إن تحويل ذلك الفحص إلى ممارسة طبية روتينية سيطرح تحديًا إحدى إشكالياته هي احتمال نجاح الاختبار في اكتشاف وجود السرطان، إلا أن الأطباء قد لا يعرفون مكان الورم، أو مدى خطورته، أو حتى ما إذا كان يستحق العلاج. يعلق دانيال هابر — مدير مركز السرطان التابع لمستشفى ماساتشوستس العام — على ذلك قائلًا: «علينا مراعاة الحذر في طريقة تناولنا لذلك الموضوع.» إذ يعتقد أن اختبارات تحديد الحمض النووي في الدم «غير جاهزة على الإطلاق»، ويضيف أننا في حاجة إلى إجراء دراسات ضخمة جدًّا لإثبات أن تلك الاختبارات نافعة: «علينا تخطي حاجز هائل.»

وعلى الرغم من ذلك التشكك، فإن هذه التقنية تجذب الانتباه؛ يقول توني ديكهربر — مدير برنامج تقنيات التحليل الجزيئي المبتكرة التابع للمعهد الوطني للسرطان — إن فكرة فحص الدم بحثًا عن حمض الأورام النووي لم تتعد كونها «فكرة ثانوية في أحسن الأحوال» منذ ثلاث سنوات فحسب. لكن مختبرات وشركات من كاليفورنيا إلى لندن تبنَّت الآن هذه الفكرة؛ مما أدى إلى إدخال سيل من التحسينات على تكنولوجيا فحص الدم وتقديم بيانات جديدة لدعمها. يضيف ديكهربر: «بدأ الناس يعتقدون أن فوجلستين على حق، وأن هذه الطريقة قد تكون الأفضل في التشخيص المبكر؛ فمن الممكن تنفيذها على نطاق أوسع بكثير مُقارَنةً بتقنيات الفحص الأخرى التي لدينا، ويمكن من خلالها إجراء مسح وفحص لمجموعة هائلة من أنواع السرطان.»

وفي شهر فبراير، قدَّم الأطباء — من جامعة هوبكنز ومن ٢٣ معهدًا آخر — أضخم مسح أجري حتى الآن لنتائجهم؛ إذ درسوا أورامًا لدى ٨٤٦ مريضًا يعانون من ١٥ نوعًا مختلفًا من السرطان، ووجدوا أن الحمض النووي للورم يوجد في دماء ما يزيد على ٨٠٪ من المرضى الذين يعانون من سرطانات متقدمة من النوع الذي انتشر، وحوالي ٤٧٪ ممن لديهم سرطان لا يزال متموضعًا وفي أولى مراحله. أما في سرطان القولون المتقدم، فكان الحمض النووي يُلاحظ دائمًا.

قد لا تبدو النتائج مثيرة للإعجاب لأول وهلة؛ فما أهمية اختبار ينجح في تشخيص نصف الحالات فحسب؟ الفائدة تكمن في كون هذه الاختبارات «دقيقة بامتياز»، على حد قول فيلكوليسكو، فإذا كان لديك بالفعل حمضٌ نوويٌّ خاصٌّ بوَرَم، فيبدو — حتى الآن — أنك مصاب كذلك بالسرطان. قد يعطي ذلك فحصَ الحمض النووي أفضليةً على الاختبارات الحالية المستخدمة لتشخيص سرطان البروستاتا والثدي، التي كثيرًا ما تسفر عن نتائج إيجابية خاطئة. تعلق ستيفاني جيفري — مديرة أبحاث علم الأورام الجراحي في جامعة ستانفورد — على ذلك قائلة: «من الطبيعي أن نجد حمضًا نوويًّا يسري في الدم، لكن من غير الطبيعي أن نجد حمضًا نوويًّا يتطابق مع ورم ما.»

يرى فوجلستين أن اختبارات الدم تتيح احتمالية اكتشاف أكثر من نصف حالات الإصابة بالسرطان في مرحلة مبكرة، وربما علاجها بالجراحة؛ إذ يقول: «إذا وُجِد عقار يستطيع علاج نصف حالات الإصابة بالسرطان، فستخرج مواكب للاحتفال بذلك في مدينة نيويورك.»

المراحل الأولى

شن الرئيس نيكسون حربه على السرطان عام ١٩٧١، بينما كان فوجلستين طالبًا في كلية الطب، وأعقب ذلك سنوات من الإحباط مع إخفاق العقاقير في إحداث أي انخفاض مؤثر في أعداد الوفيات الناجمة عن السرطان، لكنَّ ما تغيَّر هو أننا أصبحنا الآن نعرف مسببات السرطان. ساعدت أبحاث فوجلستين — التي أجراها في ثمانينيات القرن العشرين بالتعاون مع زميله كينيث كنزلر — على توضيح الدور الحاسم الذي تلعبه الجينات الطافرة في المرض. وقد جمع العلماء حاليًّا قائمة تضم أكثر من ١٥٠ جينًا يعتقدون أنها العوامل الرئيسية للإصابة بالمرض. وعلى الرغم من تعقيد خريطة السرطان الجينية، فإن جميع طفرات الحمض النووي تفعل شيئًا واحدًا وهو: السماح لبعض الخلايا بمواصلة التكاثر بينما تموت الخلايا العادية. وما السرطان إلا اختلال التوازن الناتج عن ذلك.

بالنسبة لشركات الأدوية، كانت هذه الرؤية الكاشفة بالإضافة إلى قائمة الجينات نقطة الانطلاق لمساعٍ بلغت تكلفتها مليارات الدولارات بهدف تطوير عقاقير جديدة لعلاج السرطانات المتقدمة. لكن من وجهة نظر فوجلستين، لطالما ارتبطت معرفة تسبب طفرات الحمض النووي في السرطان بأمر مختلف؛ ألا وهو إمكانية اكتشاف التغيرات الدالة على المرض مبكرًا قبل تشخيصه عادةً بفترة طويلة؛ فمن الحقائق البديهية في علم الأورام أنه كلما اكتُشف السرطان مبكرًا تحسنت فرص علاجه.

فلنتناول سرطان القولون على سبيل المثال، وهو نوع درسه فوجلستين دراسة مكثفة. يبدأ المرض بطفرة واحدة في جين يدعىAPC، لكنه يحتاج إلى ثلاثين عامًا في المتوسط بدءًا من تلك النقطة كي تكتسب الخلايا عدة طفرات أخرى في الحمض النووي تحتاج إليها كي تنتشر وتقتل. يتسبب سرطان القولون في وفاة ٦٠٠ ألف شخص سنويًّا. يعلق فوجلستين على ذلك قائلًا: «جميعهم تقريبًا يتوفون نتيجة عدم اكتشاف السرطان خلال السبعة والعشرين عامًا الأولى من وجود الورم ليس إلا. إن تلك [الفترة] هي فرصة هائلة للتدخل في هذه العملية.»

ظلت تلك هي المشكلة إلى أن ظهرت اختبارات الدم؛ إذ لم تتوفر طريقة سهلة للبحث عن تلك الطفرات. كان فوجلستين يعمل على برامج الاكتشاف المبكر منذ تسعينيات القرن العشرين عندما بدأ يبحث عن الحمض النووي الخاص بالأورام في البول والبراز، مستخدمًا الأساليب الشاقة التي كانت متاحة في ذلك الوقت. ويعتقد أن قضايا الوقاية والفحص ما زالت تلقى اهتمامًا أقل مما يجب، مما يضعه — حتى في الوقت الحالي — ضمن «أقلية مطلقة» من الباحثين. ووفقًا لتقديراته، يعادل التمويل البحثي الموجه للعقاقير ١٠٠ مرة حجم التمويل المتاح لتلك الاستراتيجيات.

ربما يفسر ذلك لماذا يبدو فوجلستين — رغم تفوقه — وكأنه يحمل غضبًا نابعًا من إحساس بالظلم. تتميز مجموعة هوبكنز البحثية — التي تضم عددًا كبيرًا من الباحثين الآخرين المعروفين — بسرعة نشر الأفكار الجديدة، لكنها غالبًا ما تبذل جهدًا لتفنيد المفاهيم العلمية الرائجة في أماكن أخرى. وأي عالم شاب يرغب في الانضمام للمجموعة يتحتم عليه — طبقًا لتقاليد المختبر — تقديم أبحاثه العلمية السابقة وهو يعلم أنها قد تتعرض للتفنيد الدقيق.

يقود الأبحاث التي يجريها المختبر على اختبارات الدم عالم الأورام لويس دياز، الذي يحظى بدعم ورعاية فوجلستين. توصل دياز إلى فكرة فحص الدم لاكتشاف حمض السرطان النووي عام ٢٠٠٥، بينما كان يجري أبحاثه حول ما إذا كانت البكتيريا الآكلة للحم يمكن استخدامها للقضاء على الأورام. كان عمله يتضمن زرع سرطانات بشرية في أجساد الفئران. ويتذكر دياز أنه احتاج «إلى طريقة لمراقبة الأورام لدى الفئران دون قتلها»؛ ومن ثم قرر مع أحد زملائه أنهما قد يستطيعان تحقيق ذلك عبر إجراء اختبار للدم، وسرعان ما لاحظا تغير مستويات الحمض النووي البشري صعودًا وهبوطًا مع نجاح أو فشل العلاج. وعليه، إذا كان بوسعهم مراقبة الحمض النووي الخاص بورم بشري في الفئران، فهل ينجح ذلك مع البشر أيضًا؟

لم تكن الفكرة جديدة تمامًا؛ فمن المعروف منذ عام ١٩٤٨ أن الحمض النووي السابح بحرية يدور في أوردتنا وشراييننا، وهو عادةً عبارة عن فضلات لخلايا ميتة، لكن الأورام كذلك تطلق الحمض النووي في الدم، وقد ترتفع حصة الحمض النووي الناتج عن الأورام في الدم لتصل إلى ٨٧ في المائة لدى شخص يحتضر جراء السرطان، لكن في أغلب الأحوال تكون الكمية ضئيلة لدرجة لا تُذكر.

عندما بدأ دياز يدرس هذه المسألة، لم يكن كل هذا قد أصبح حقيقة بعدُ وإنما كان مجرد احتمال مبهم؛ فلكي يتمكن علماء جامعة هوبكنز من تطوير تقنية الخزعة السائلة، كان عليهم أولًا ابتكار طرق لاستخلاص الحمض النووي للورم من بين فيض الحمض النووي الطبيعي المحيط به. تتبع الباحثون في البداية أربعة جينات سرطانية فحسب، مستخدمين عينات دمٍ تبرع بها مرضى سرطان القولون الذين كان دياز يعالجهم في بالتيمور. وفي النهاية لاحظوا أن حمض الورم النووي في الدم يختفي سريعًا — في غضون يوم — بعدما خضع أولئك المرضى للجراحة أو لعلاجات دوائية، بينما لم تظهر لدى أي من الأصحاء في المجموعة الضابطة نتائج إيجابية. يعلق دياز على ذلك قائلًا: «أدركنا أن هذا الاختبار يستطيع طرح سؤال: «هل أعاني من السرطان؟» والإجابة عنه.»

يستخدم لويس دياز اختبارات الدم لتأكيد شفاء الناجين                            من السرطان.

يستخدم لويس دياز اختبارات الدم لتأكيد شفاء الناجين من السرطان.

يؤمن علماء جامعة هوبكنز أن الاختبار الذي ابتكروه قد يتمتع بدقة تزيد على أي أداة أخرى يستخدمها الأطباء الآن، على الأقل فيما يتعلق بأنواع السرطان الأصغر من أن تلاحظ عبر أجهزة التصوير الطبية. يُقدِّر فوجلستين أن الورم لا بد أن يحتوي على الأقل على ١٠ ملايين خلية — بحيث يصبح في حجم رأس الدبوس — لكي يطلق قدرًا يمكن ملاحظته من الحمض النووي. وعلى العكس من ذلك، لا بد أن يزيد حجم الورم مائة مرة على هذا الحجم كي يظهر في أشعة الرنين المغناطيسي، وأن يحوي على الأقل مليار خلية.

بدأ الأطباء في جامعة هوبكنز استخدام اختبارات الحمض النووي في محاولة لتحديد ما إذا كانت الخلايا الخبيثة تظل باقية لدى المرضي الذين أزيلت أورامهم جراحيًّا. وبالتعاون مع بيتر جيبز — عالم أورام أسترالي — فحصوا عينات دم مأخوذة من ٢٥٠ مريضًا خضعوا لعمليات جراحية لإزالة سرطان القولون في مراحله الأولية. معظم هؤلاء سيشفون في النهاية، لكن من المتوقع أن يعاني ٣٠٪ منهم من انتكاسة؛ لأن خلايا الورم لم تُستأصل بالكامل. تكمن المشكلة في أن الأطباء لا يعرفون مَنْ مِن المرضى سيتعرضون لانتكاسة. يعلق دياز على ذلك قائلًا: «سيقول الجراح: «لا تقلق؛ لقد أزلنا الورم بالكامل»، لكن الأمر محبط بالنسبة لي؛ لأنه يتعين عليَّ بعد ذلك أن أخبر المريض بأننا لا نعلم حقًّا ما إذا كان شُفي أم لا.» ومن ثم يقع الناجون فريسة لحالة من عدم اليقين، غير متأكدين مما إذا كان مرضهم سيعود أم لا — في شكل أخطر على الأرجح — وقد يستمر هذا الحال سنوات.

يخضع المرضى في أستراليا إلى اختبار للكشف عن الحمض النووي للورم في دمائهم بعد ستة أسابيع من الجراحة. وحتى الآن يزعم الباحثون أنهم حددوا بدقة نحو نصف الحالات التي انتكست فيما بعد. ويضيف فوجلستين أنه يمكن مستقبلًا تمييز أولئك المرضى بحيث يتلقون العلاج الكيميائي؛ مما قد يُنقذ حياة ثُلُثهم على الأرجح. على الرغم من ذلك، فإن حدود الاختبار جلية أيضًا، بما أنه أخفق في تشخيص نصف المرضى الذين ظهر لديهم السرطان من جديد.

يقول دياز إن ذلك قد يرجع إلى أن أيًّا من الخلايا السرطانية الباقية لا تطلق حمضًا نوويًّا يكفي لملاحظته، مضيفًا: «ربما نكون قد بلغنا الحدود البيولوجية.» مع ذلك قد يرتفع الحمض النووي للسرطان إلى مستويات يمكن ملاحظتها مع الوقت، وربما يمكن التقاط تلك المستويات عبر إعادة اختبار المرضى دوريًّا. ومع أن اختبار جامعة هوبكنز ما زال تجريبيًّا، فإن دياز يقول إنه يثق فيه بما يكفي لإخبار بعض المرضى أنهم ما زالوا يعانون من المرض، وإخبار البعض الآخر بأنهم شفوا على الأرجح؛ إذ يقول: «بعد فترة تتراوح بين ستة إلى ثمانية أسابيع يمكننا أن نخبرهم إذا كانوا قد تماثلوا للشفاء أم لا، وهو أمر يبعث على الرضا إلى حدٍّ كبير.»

فحص عام

يقول فوجلستين إن هدفه النهائي هو تحويل اختبارات الدم هذه إلى وسيلة لفحص الجميع روتينيًّا للكشف عن السرطان. ويعتقد الباحثون بجامعة هوبكنز أنهم توصلوا إلى صيغة من هذا الاختبار تستطيع تحقيق ذلك. فبدلًا من تتبع بضعة جينات سرطانية رئيسية، فإنهم يحللون تسلسل جينوم الفرد بالكامل مستخدمين الحمض النووي المستخلص من عينة دم. يتيح لهم هذا الاختبار حساب عدد مرات ظهور كتل من المادة الجينية في غير موضعها أو في صورة مختلطة. فوجود قدر كبير من الحمض النووي المعاد ترتيبه هو عَرَض جانبي جزيئي لا يُلاحظ إلا في كروموسومات الخلايا السرطانية، ويُعد علامة على وجود السرطان، إلا أن تحليل تسلسل الجينوم الكامل ما زال مكلفًا، يقول فوجلستين: «إذا أصيب أحد الأشخاص بالسرطان؛ فلن يمانع إنفاق خمسة آلاف دولار على اختبار الحمض النووي، لكن لن يمكنه أن ينفق ألف دولار على اختبار يجرى أثناء الفحص الجسدي السنوي. إن الهدف هو جعل هذه التقنية رخيصة على نحو يسمح باستخدامها في الفحص.»

قد يستغرق ذلك وقتًا. فعلى الرغم من انخفاض تكلفة تحليل تسلسل الحمض النووي بمعدل سريع للغاية؛ فقد ننتظر عشرة أعوام حتى تصبح تكلفة اختبار الجينوم مائة دولار، وهو السعر الذي يكون منخفضًا بما يناسب اختبار فحص عام. في غضون ذلك، بدأت جامعة هوبكنز إجراء العديد من الدراسات — معظمها على أفراد عرضة للإصابة بالسرطان — لتحديد ما إذا كانت هذه التقنية قادرة على اكتشاف وجود الأورام مبكرًا لدى الأشخاص الأصحاء. تتضمن إحدى التجارب ٨٠٠ فرد عرضة للإصابة بسرطان البنكرياس. في تلك الحالات النادرة يحمل الأفراد حويصلات على البنكرياس تتحول في بعض الأحيان إلى سرطان، وقد لا تتحول في أحيان أخرى. بدأت هذه التجربة السريرية في متابعة المرضى عام ٢٠١٢، وسيطلع الباحثون على النتائج لأول مرة في آخر العام الحالي.

يعتبر سرطان البنكرياس نموذجًا اختباريًّا جيدًا للفحص المبكر؛ فهو سرطان غير شائع نسبيًّا، إلا أنه يحتل المركز الرابع على قائمة أعلى السرطانات المسببة للوفاة في الولايات المتحدة، نظرًا لأن نسبة شفائه لا تتعدى ٤٪. (توفي ستيف جوبز — مؤسس شركة أبل — بسببه في سن ٥٦ عامًا.) لكن إذا اكتُشف المرض في مرحلة مبكرة جدًّا — قبل أن ينتشر — ترتفع معدلات الشفاء إلى ٢٥٪.

مع ذلك، يظل نشر اختبارات الحمض النووي لتشمل الجميع نقلة هائلة؛ فعلى سبيل المثال يقول دانيال هابر — اختصاصي الأورام في مستشفى ماساتشوستس العام — إن هذه التقنية، بشكلها الحالي، قد تخبر الطبيب بوجود السرطان أو عدمه، لكن على العكس من الفحص بأجهزة التصوير أو الخزعة، فإنها تتركه يخمن مكان وجوده في الجسد؛ ومن ثم سيصاب المرضى بالفزع بينما يحتار الأطباء في كيفية التصرف، وأضاف هابر قائلًا: «إن فكرة فحص أفراد أصحاء كي نقول لهم: «حسنًا، يبدو أن لديكم سرطانًا في مكان ما لكننا لا نعرف أين هو» تحمل في ثناياها بذور فنائها.»

يسجل تاريخ الطب سابقة استخدمت فيها الاختبارات التنبُّئية استخدامًا سيئًا. فلننظر — على سبيل المثال — إلى اختبار المستضد البروستاتي النوعي، الذي يقيس بروتينًا مرتبطًا بسرطان البروستاتا. وهو اختبار لا يصدر نتائج إيجابية زائفة فحسب في معظم الوقت، بل إن بعض الأورام التي يكتشفها بالفعل بطيئة النمو بدرجة تجعلها لا تستحق العلاج. ومن ثم انتهى الحال بملايين من الرجال يعالجون من أورام سرطانية لم تكن لتؤثر عليهم في النهاية؛ فوفقًا لأحد التقديرات، مقابل كل ٤٧ رجلًا يخضعون لجراحة استئصال البروستاتا نتمكن من تجنب حالة وفاة واحدة جراء السرطان. وتشير الدراسات — التي أجراها باحثون من كلية دارموث — إلى أن تصوير الثدي الشعاعي يؤدي كذلك إلى تشخيصٍ وعلاجٍ مبالغ فيه. نحو ٢٥٪ من سرطانات الثدي التي اكتشفت وعولجت لم تكن لتسبب أي أعراض. يعلق جوناثان سكينر — اقتصادي متخصص في مجال الصحة بكلية دارموث — على ذلك قائلًا: «عندما تُخضع الجميع للاختبار، ستجد نفسك في النهاية تعالج أناسًا من أمراض لم تكن لتُحدِث تأثيرًا على الإطلاق؛ إما لأنها لم تكن لتتفاقم، أو لأن أصحابها توفوا جراء سبب آخر. إن التأثير السلبي للفحص المبكر قد يكون مرتفعًا للغاية.»

لكن في جامعة هوبكنز، يعبر فوجلستين عن تفاؤله حيال تحول اختبار الحمض النووي العام لاكتشاف السرطان إلى واقع: «إذا لم يكن باستطاعتك إحداث فارق، فربما سترغب في أن تظل جاهلًا، لكني لا أستطيع تصور أن العلم بوجود سرطان لن يساعد المرضى. قد لا نستجيب على نحو جذري لكل معلومة نتوصل إليها، وقد لا نفعل شيئًا على الإطلاق، لكن مع وجود تلك الاختبارات، سيصبح من السهل للغاية الاستمرار في إجرائها وإخبار المريض بأننا «سننتظر لنرى كيف سيتطور الأمر».»

حتى الآن، لا تتحدث الشركات بوضوح عن فحص عام لاكتشاف السرطان لدى أفراد أصحاء ظاهريًّا. وفي الوقت الراهن تتيح شركة بيرسونال جينوم دياجنوستكس — وهي شركة اختبارات تشخيصية ناشئة أسسها دياز وفيلكوليسكو — جنبًا إلى جنب مع عدة شركات منافسة، مثل بوريل جينومكس وجاردنت هيلث، خزعات سائلة للمرضى الذين يقاومون سرطانًا متقدمًا فحسب. فبخصوص أولئك المرضى، قد تكشف الاختبارات عن نجاح أحد العلاجات أو فشله في الوقت المناسب لتجريب علاج آخر. أحد الاستخدامات المهمة الأخرى لهذه التقنية هو تتبع طفرات الحمض النووي المحددة التي تؤدي إلى أورام لدى أحد المرضى، وبما أن كثيرًا من أدوية علاج السرطان الجديدة «موجهة» — أي تثبط عمليات جزيئية معينة — فإن المرضى لا يتعاطونها إلا إذا كانت أورامهم من النوع المتوقع استجابته للعلاج. في وسع الأطباء استخدام اختبارات الحمض النووي بالفعل على كتل الورم التي تستخلص عبر خزعات الأنسجة، لكن اختبارات الدم التي لا تتطلب تدخلًا جراحيًّا قد تكون أسهل وأكثر أمنًا، وتسمح بتكرار تقييم المريض بمعدل أكبر. وبما أن حمض السرطان النووي لا يتوقف عن التحور؛ فقد يساعد ذلك المريض على تغيير الأدوية في الوقت المناسب.

يرى حلمي الطوخي — رئيس مجلس إدارة شركة جاردنت — أن الخزعات السائلة «فكرة عظيمة» تتيح تطبيقات كثيرة. ولأسباب تجارية وطبية، تُسوِّق شركته الاختبارات حتى الآن لمرضى السرطان فحسب، لكنه يصرح بأن اختبارات الفحص المبكر جزء من خطة شركته المستقبلية: «من الواضح أنها الهدف المنشود. تخيل التطبيقات التي تتيحها! ذلك ما نعمل على تحقيقه.»

سألتُ كلًّا من فوجلستين، الذي يبلغ من العمر ٦٥ عامًا، وفيلكوليسكو، الذي يبلغ من العمر ٤٤ عامًا، عما إذا كانا قد أجريا الاختبار على أنفسهما من قبلُ. أجاب الاثنان بلا، مع أن فرصة إصابة الرجال في الولايات المتحدة بالسرطان في وقت ما تصل إجمالًا إلى ٤٠٪، وتزداد احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر. إذا كان أولئك الباحثون لم يسعوا لإجراء الاختبار على أنفسهم، فمن المشكوك فيه أن يتحمس العامة لإجرائه أيضًا؛ فلكي يُستخدم اختبار فحص على نطاق واسع كمقياس للصحة العامة، يجب على المجتمع الطبي بأكمله المشاركة وسيستغرق ذلك وقتًا كبيرًا.

لكن فوجلستين ليس ساذجًا، فنحن ما زلنا في حاجة إلى عقاقير جديدة لعلاج الأفراد الذين يصابون بالسرطان على أية حال، إلا أنه يظل مقتنعًا بأن أفضل طريقة للتغلب على السرطان المتقدم هي منعه من الحدوث. عندما قدمت تعازيَّ إليه في وفاة شقيقه نحَّاها جانبًا قائلًا: «لهذا السبب نحن نقوم بعملنا. فبعد مائة عام من الآن، عندما يصبح السرطان والوفيات المترتبة عليه أقل انتشارًا بمراحل، سيرجع جزء كبير من ذلك الوضع إلى الاكتشاف المبكر لا إلى قدرتنا على علاج جسد غزته الأورام.»

02 déc, 2015 12:31:08 PM
1