Aller au contenu principal

أناس لا يعرفون الخوف

بعض الناس لا يخيفهم أي شيء حقًّا. والوقوف على أسباب هذا يكشف الطريقة التي يتعامل بها بقية الناس مع الرعب.

على مدار السنوات الست الأولى من معرفة جاستين فاينستاين بالسيدة المعروفة باسم «إس إم»، لم يستطع أن يجد شيئًا من شأنه أن يروعها. لم يرجع هذا إلى انعدام محاولاته؛ فقد أراها أفلامًا؛ مثل: «مشروع الساحرة بلير»، و«رهاب العناكب»، و«البريق»، و«صمت الحملان». لكن لم يُثِر أي منها حتى أدنى أمارات للخوف. ثم اصطحبها إلى متجر الحيوانات غير المألوفة، فإذ بها تقترب — بدون حثِّها على فعل ذلك — من مأرضة الثعابين وتمد يدها لتمسك بأحدها. بل ولمست لسانه الذي يحركه سريعًا، وقالت: «هذا رائع!» وأخذت إس إم تقترب من الحيوانات بقليل من الحذر حتى إن عامل المتجر اضطر إلى التدخل لمنعها من التربيت على أحد عناكب الرتيلاء السامة.

وبعدها اصطحبها فاينستاين إلى مصحة ويفرلي هيلز في مدينة لوويفيل بولاية كنتاكي: معلم من معالم الجذب السياحي مسكون بالأشباح ويُعرف بأنه «واحد من أكثر الأماكن رعبًا على وجه البسيطة.» ومرة أخرى لم تُحرِّك ساكنًا. وفيما ارتعد كثيرون ممن كانوا في الجولة أو صرخوا لدى سماع الضوضاء الغريبة والموسيقى المرعبة، ورؤية المشاهد المخيفة التي تُصوِّر الممثلين وهم متنكرون في زي قتلة ومسوخ وأشباح، ابتسمت إس إم، بل وضحكت. وفي مفارقة ساخرة، تمكَّنت من أن تخيف أحد «المسوخ» عندما اقتربت لتلمس رأسه، وقد فعلت هذا بغية أن تستكشف هذا الشعور فحسب، كما وضَّحت فيما بعد.

قد تبدو مهمة فاينستاين لترويع إس إم مثل المقالب التي يقوم بها الأخ المشاغب المؤذي، غير أن هذه المهمة كان لها غرض جادٌّ؛ فهو أخصائي علم النفس العصبي الإكلينيكي بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بمدينة باسادينا، وهو يعتقد أن دراسة حالة إس إم وعدد قليل من الأشخاص من ذوي الحالات المماثلة من انعدام الخوف يمكنه أن يمهِّد الطريق نحو فهم أفضل للطريقة التي يُعالَج بها المخ الرعب. ومن الغريب أن نظرية فاينستاين لم تتضح إلا عندما نجح أخيرًا في ترويعها. وربما يؤدي هذا العمل في المستقبل إلى اكتشاف علاج لاضطراب إجهاد ما بعد الصدمة.

لفتت إس إم أنظار العلماء إليها للمرة الأولى عندما وفدت إلى مختبر دانييل ترانيل لعلم الأعصاب بجامعة آيوا في منتصف ثمانينيات القرن العشرين. وقد شُخِّصت حالتها لتوها على أنها تعاني داء أورباخ فيته، وهو حالة وراثية في غاية الندرة، حتى إن عدد الحالات التي شُخِّصت بها يقل عن الثلاثمائة حالة، وتشتمل أعراضه على آفات الجلد وتراكم رواسب الكالسيوم في المخ. وفي حالة السيدة إس إم دمَّر المرض منطقة اللوزة الدماغية — اللوزية الشكل — بنصفي المخ (انظر الرسم التوضيحي).

مصنع الخوف.

مصنع الخوف.

يقول دانييل كينيدي — عالم الأعصاب بجامعة إنديانا بمدينة بلومنجتون: «نادرًا ما يوجد التلف موضعيًّا على هذا النحو. وهي واحدة من بين ٢٤ حالة فحسب معروفة.» وعندما رأى ترانيل مثل هذا التلف المحصور في بقعة بعينها، أدرك أن حالة السيدة إس إم يمكنها أن تُقدِّم فرصة فريدة لفهم وظيفة هذه المنطقة بالمخ.

لطالما اعتقد العلماء أن منطقة اللوزة الدماغية تقوم بدور مهم في معالجة المشاعر، وبالأخص مشاعر الخوف، مع أنه لم يكن معروفًا ما الدور الذي تقوم به على وجه الدقة. وتوضح دراسات تصوير المخ نشاط اللوزة الدماغية أثناء الخوف، لكن «ما لا تستطيع أن تعرفه هذه الدراسات هو ما إذا كانت هذه المنطقة ضرورية بصورة مطلقة لهذه الخبرة الشعورية أم لا.» كما يقول مايك كونيجز، عالم البيولوجيا العصبية بجامعة ويسكونسن ماديسون. ويضيف كونيجز أنه من المحتمل أن يكون نشاط اللوزة الدماغية نتيجة لعمليات في أجزاء أخرى من المخ، دون أن تكون ضرورية بالنسبة للمشاعر.

لكن يبدو أن تجربة إس إم قد قضت على هذا الاحتمال؛ حيث إن مشاعر الخوف قد تلاشت من حياتها بعد فترة وجيزة من بداية تلف مخها. والأكثر من ذلك، أن بقية مجموعة مشاعرها بقيت سليمة؛ مما يوحي أن اللوزة المخية ليست مركز كافة المشاعر، كما قد اقترح البعض. يقول فاينستاين: «إس إم ليست جامدة المشاعر بأي شكل من الأشكال.»

بل وتفصح شخصيتها المفعمة بالحيوية عن صورة أكثر دقة لمهام اللوزة الدماغية في حياتنا اليومية. تظهر بعض من هذه الاستبصارات من خلال علاقاتها بالآخرين. يقول فاينستاين: «تتمتع إس إم بشخصية اجتماعية للغاية، بل ويمكن تصنيفها ضمن فئة الساعين نحو المغامرات الصغيرة.» ويوافقه الرأي ناوتسوجو تسوتشيا، عالم الأعصاب بجامعة موناش بمدينة ملبورن، أستراليا؛ إذ يسترجع عندما اصطحبها في إحدى المرات إلى أحد المطاعم عندما كان يعمل بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا؛ حيث استمتعت بالدردشة مع النادل أثناء احتكاكهما البسيط، وفي اليوم التالي أرادت أن تتناول الطعام في نفس المطعم. وعندما ذهبا إليه بدت عليها السعادة لدى رؤية النادل، وعاملته بمنتهى اللطف.

كبح جماح النفس

قد يبدو مثل هذا الانفتاح مزية، لكنه يرجح في مواقف أخرى أن إس إم لا تستطيع قراءة الإشارات الصغيرة التي من شأنها أن تجعل معظمنا يتحفَّظ في تعامله. يمثل ذلك أهمية بشكل خاص عند التعامل مع الشخصيات المريبة. يقول كينيدي: «الشخصيات التي نعتبرها أنا وأنت شخصيات غير جديرة بالثقة، تعتبرها هي جديرة بالثقة، ولديها ميل نحو الثقة بالناس والرغبة في الاقتراب منهم.» وكل هذا يرجح أن اللوزة الدماغية لا تتعامل فحسب مع المخاطر الآنيَّة في حياتنا، وإنما أيضًا مع الإشارات الأصغر التي قد تقوِّض سلوكنا الاجتماعي.

اختبر كينيدي مؤخرًا انفتاح السيدة إس إم في المختبر عن طريق فحص إحساسها بالمساحة الشخصية. فطلب من إحدى السيدات أن تدنو منها ببطء، على أن توضِّح إس إم أيَّ مسافة شعرت عندها بأكبر قدر من الارتياح؛ فكانت المسافة المفضلة لديها ٠٫٣٤ متر؛ أي ما يعادل تقريبًا نصفَ المسافة التي فضَّلها المتطوِّعون الآخرون (نيتشر نيروساينس، المجلد ١٢، صفحة ١٢٢٦). يقول كينيدي: «تصدر عنك ردة الفعل النفسية هذه عندما يقترب أحدهم منك أكثر من اللازم ويغزو مساحتك الشخصية، وتساعد اللوزة الدماغية في خلق هذا. يكاد هذا يشبه مكابح السيارة؛ فاللوزة الدماغية تساعد على حمايتنا عن طريق مَنْحِنا القدرةَ على تنظيم المسافة التي نشعر عندها بالارتياح.»

يتضح المزيد من القرائن عن وظيفة اللوزة الدماغية من عدم قدرة السيدة إس إم على قراءة الإشارات الدقيقة في تعبيرات معينة للوجه. مرة أخرى أنوِّه إلى أن العجز انتقائي للغاية؛ إذ يمكنها التعرف على الفرح أو الحزن، لكن تعاني في تمييز الخوف. في البداية، ظن الباحثون أنها فقدت تمامًا القدرة على التعرف على المشاعر، غير أن التجارب التي أجراها تسوتشيا مؤخرًا توضح أنها تحتفظ فعليًّا برد فعل غير واعٍ قصير الأجل. فقد قدم إلى إس إم مجموعة من الوجوه الخائفة أو الغاضبة أو المشاهد المرعبة، إضافة إلى مثيرات حيادية، بحيث يُعرَض كل منها لمدة ٤٠ مللي ثانية فحسب؛ أي بسرعة كبيرة على أن تعالجها بوعيها. وكان مطلوبًا منها في كل مرة أن تضغط زرًّا بأسرع ما يمكنها كي تختار أي وجه يظهر أكثر خوفًا أو غضبًا، أو أي المشاهد كانت أكثر رعبًا. ومن المدهش أن أداءها كان طبيعيًّا تمامًا، ولم يضعف أداؤها إلا عندما أُعطِيَتْ وقتًا غير محدود كي تقرر (نيتشر نيروساينس، المجلد ١٢، صفحة ١٢٢٤).

وبمزيد من الفحص والمحص، اكتشف كينيدي أن المشكلات تكمن في الطريقة التي يُوجِّه بها مُخُّها نظرتَها. فعندما تُترَك إس إم لشأنها، فإنها لا تنظر على نحو طبيعي في أعين الشخص الآخر، وهو ما يقدم أكثر العلامات تأكيدًا على الخوف. يقول كينيدي: «تتسع العينان، وتزيد المساحة البيضاء فيهما؛ وهي طريقة واضحة للغاية للتعرف على الخوف.» وعندما هُيِّئَتْ التجربة بحيث تتجه نظرتها إلى الأعين مباشرة، تحسَّن أداؤها تحسنًا كبيرًا (نيروسيكولوجيا، المجلد ٤٨، صفحة ٣٣٩٢).

تشير مثل هذه الاختلافات إلى أن اللوزة الدماغية لها دور أكثر تطورًا من مجرد دور «كشف الخطر» البسيط، كما أفادت بعض النظريات. وإنما يبدو أن هذا الإدراك الأوَّلي يحدث في مناطق أخرى، تحت إدراك الوعي، وأنه حالما نسجل فقط الخطر في اللاوعي، فإن اللوزة الدماغية تُوجِّه انتباهَنا لتجميع المعلومات المهمة — في هذه الحالة، العينين — وتقييم الخطر الوشيك.

لعل هذه الخطوة التقييمية تمثِّل ضرورة للقدرة على الشعور بالخوف، وبدونها يسيء مخ السيدة إس إم تفسيرَ إشارات اللاوعي التي تدل على الخطر. قد لا تزال الإشارات تسبب شعورًا بالإثارة، لكن بدون تقييم اللوزة الدماغية للموقف، قد ينشأ حس بالإثارة وليس بالرعب. وهذا قد يُفسِّر بدوره مشاعرَ الفضول التي راودتها أثناء رحلاتها إلى المبنى المسكون بالأشباح ومتاجر الحيوانات غير المألوفة. فهي لم تكن تتصرف بلا مبالاة، وإنما كانت تبهرها المناظر التي تُرعِب معظمَ الناس.

على الأقل، هذا ما بدا حتى النجاح الباهر الأخير الذي أحدثه فاينستاين عندما تمكَّن أخيرًا من ترويعها. اشتركت «إيه إم» و«بي جي»، توأمتان متماثلتان عانتا من نفس الحالة المرضية وتلف مشابه في اللوزة الدماغية، معها في الدراسة. اتبع فاينستاين الطريقة المتعارف عليها عند دراسة الرعب؛ حيث طلب من المجموعة ارتداء قناع يطلق نفحة من الهواء، ٣٥٪ منها ثاني أكسيد الكربون. يقول فاينستاين: «يشعر أغلبية الأصحاء الذين يشاركون في التجربة بتغيُّر فوري في وظائفهم الحيوية.» ومن الأعراض التي يشيع ورودها اللهاث، وتسارع ضربات القلب، وتصبُّب العرق، والدوار. يمكن أن تكون هذه التجربة مزعجة ويشوب الهلعُ ردَّ فعل حوالي رُبُعِ المشاركين فيها.

ولدهشة فاينستاين، أصابت نوباتُ الهلع الشديد المشاركات الثلاث المصابات بتلف اللوزة الدماغية (نيو ساينتيست، ٩ فبراير، صفحة ٩)؛ إذ صرخت إس إم: «أغيثوني!» ووضعت يدها على القناع مشيرةً إلى الباحثين كي ينزعوه عنها. وعندما سُئِلَتْ عما شعرت به أجابت: «انتابني الهلع في المقام الأول؛ لأنني لم أعرف ما الذي كان يحدث.» وكانت هذه هي المرة الأولى التي شعرَتْ فيها بالخوف منذ بداية مرضها.

نوعان من الخوف

صدر عن المشارِكَتيْنِ الأُخرَيَيْن المصابتَيْن بتلف اللوزة الدماغية ردودُ فعل مشابهة؛ الْتَوَتْ قسمات وجه إيه إم وقبضت يدها اليسرى فيما حاولت التخلص من القناع، وأوردت أنه انتابها «خوف شديد من الاختناق»، وصرَّحت أن هذه كانت أقوى مشاعر خوف انتابتها في حياتها؛ فقد ظنَّت أنها ربما تُحتضَر. وفي الوقت عينه لهثتْ بي جي احتياجًا للهواء، ومزَّقَتْ القناع من على وجهها، وهي أيضًا أخبرت الباحثين أنها ظنت أنه ربما تموت إن استمرت التجربة، وقالت إن مشاعر الهلع التي انتابتها كانت «الأولى في حياتها».

بادئ ذي بدء، بدت النتائج مخالفة لكل شيء ظنَّ فاينستاين أنه عَرَفَهُ عن وظيفة اللوزة الدماغية. فكيف لشخص لا يملك بنية الخوف أن يشعر بالخوف بغتةً؟! يقول فاينستاين: «أذهلتني النتائج لبعض الوقت، فقد ركَّز قدر كبير من أبحاثنا على مدار العقود العديدة الماضية على اللوزة الدماغية باعتبارها لب بنية الخوف.»

ولكن بعد قليل من التفكير المتروِّي، بدأ يرى كيف أن النتائج يمكن أن تتوافق مع نظرياته السابقة؛ إذ يُرجِّح فاينستاين أن المخ يعالج التهديدات الداخلية — مثل: الربو، أو الأزمة القلبية — معالجةً مختلفة عن التهديدات الخارجية. فيقول: «إنها طبقة بدائية، شكل أولي للغاية من الخوف.» يبدو هذا منطقيًّا، عند الأخذ في الاعتبار أن النِّسَب المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون تُغيِّر حموضةَ الدم؛ مما يُطلِق فيضًا من ردود الأفعال عَبْرَ المخ. ويكون النشاط العصبي الناجم منتشرًا للغاية، حتى إنه يمكنه أن يخلق شعورًا بالهلع بدون اللوزة الدماغية التي يبدو أن وظيفتَها الأساسية تقييمُ التهديدات في البيئة المحيطة بنا، وتوجيهُ سلوكنا بناءً عليها.

يقول كورنيليوس جروس، بمختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي بمدينة مونتيروتوندو بإيطاليا: «من المعقول جدًّا أن شيئًا مثل ثاني أكسيد الكربون أمكنه أن يُنشِّط دائرة أخرى أسفل اللوزة الدماغية.» وهو يشير بذلك إلى أجزاء من الوطاء والسنجابية المحيطة بالمسال في المخ باعتبارهما مرشحَيْن محتملَيْن.

وحقًّا لعل ردة فعل المتطوعات اللواتي «لا تعرفن الخوف» كانت قوية في تجربة ثاني أكسيد الكربون، تحديدًا لأنهن افتقدن القدرة على تفسير سياق الموقف. ومع أن المشاركين الآخرين راودتهم أحاسيس كريهة تشير إلى بدء الاختناق، فإن حواسهم الأخرى أخبرتهم أن الباحثين لن يَدَعُوا هذا يحدث؛ مما أخمد مشاعر الهلع لديهم. لكن دون وجود لوزة دماغية لتقييم هذه الإشارات الخارجية، لم تستطع إس إم، وإيه إم، وبي جي تقييمَ الأحاسيس الداخلية في ضوء إشارات الأمان حولهن؛ ومن ثم لم تَجِدْنَ تعزيةً لتهدئةِ رُعبِهنَّ.

توقع الخطر

يمكن أن يسلِّط دور اللوزة الدماغية في تقييم الخطر بعض الضوء على نتيجة محيرة أخرى تمخَّضت عنها نفس التجربة؛ فعادة ما يكوِّن المشاركون الأصحاءُ استجابةً استباقيةً قبل تكرار التجربة؛ حيث تحدث تغيرات طفيفة في أنماط التعرق وارتفاع طفيف في معدل ضربات القلب. وعلى النقيض، لم تظهر المتطوعات المصابات بداء أورباخ فيته أي أمارة من أمارات التوقع عندما اقتربن من الجهاز للمرة الثانية، رغم أنهن يتذكرن بوضوح الهلعَ الذي انتابهن في المحاولة الأولى. من ثم يبدو أنه لا غنى عن اللوزة الدماغية لخلق ذكريات الخوف عند تقييم أحد المواقف الحالية.

وإضافة إلى تعميق فهمنا لهذه المنطقة الغامضة من المخ، ربما تساعد هذه النتائجُ يومًا ما الأشخاصَ الذين يعانون من القلق المفرط؛ فقد فحص كونيجز قدامى المحاربين الذين خاضوا حرب فيتنام والذين أُصِيبوا أثناء معارك دامية. وفي إحدى العيِّنات المكونة من ٢٠٠ منهم أُصِيبوا بإصابات دماغية، وجد أنَّ نِصفَهم أُصِيب باضطرابات إجهاد ما بعد الصدمة. لكنَّ أيًّا من المصابين بتلف في اللوزة الدماغية لم يُعانِ من هذه الحالة.

يقول كونيجز: «نعرف أن اللوزة الدماغية غالبًا ما تكون مفرطة النشاط في الأشخاص الذين يعانون اضطرابات القلق والخوف.» ويتضمن بحثه أن اللوزة الدماغية الفعالة ربما تكون لازمة للإصابة باضطراب إجهاد ما بعد الصدمة، ومع ذلك فقد حذَّر من أنه من المبكر جدًّا معرفة ذلك قطعًا، فيقول: «هذه منطقة بحث تتميز بالنشاط والاستمرار.» والأمل معقود على أن يُطوِّر الباحثون عقاقيرَ أو وسائل أخرى لتغيير استجابة اللوزة الدماغية وتقليل الأعراض الناجمة عن هذه الحالات.

ومع ذلك سيضطر الباحثون إلى أن يخطوا خطوات حذرة، كما يقول فاينستاين؛ فاستبعاد اللوزة الدماغية لن يكون حلًّا، كما توضح إس إم. فافتقارها إلى الإحساس بالخطر جعلها فريسة سهلة للسارقين، كما أن الصعوبة التي تعانيها في قراءة الإشارات الاجتماعية تدل على أنها تلقى معاناة في تكوين علاقات طويلة الأجل.

قد تبدو الحياة دون خوف غاية السعادة، لكن عندما سأل فاينستاينُ إس إم: ماذا تقولين لشخص يحب أن يكون مثلك؟ كان ردها قاطعًا: «لا أتمنى لأي إنسان أن يحيا هكذا.»

لقطات من حياة أناس لا يعرفون الخوف

عاشت إس إم معظمَ حياتها فاقدة القدرة على الشعور بالخوف، لكن لديها بعض الذكريات منذ زمن سحيق عن الشعور بالخوف عندما كانت طفلة، قبلما تدمر حالتُها الوراثية اللوزةَ الدماغية ومشاعرَها معها؛ ففي أحد المواقف، كانت تسير وسط المقابر عندما قفز أخوها من وراء إحدى الأشجار فهرولت وهي تصرخ. وفي موقف آخر، ضيَّق عليها كلب دوبرمان خاص بأحد أصدقاء العائلة واحتجزها بأحد الأركان وأخذ يهرُّ فيها بوحشية. عن ذلك الموقف تقول إس إم: «أستطيع أن أتذكر أحشائي وهي تنقبض بشدة، وكنت أخشى أن أتحرك. هذه هي المرة الوحيدة التي شعرت فيها بالخوف حقًّا، ذلك الرعب المثير للقيء.»

ومع ذلك استغرق الباحثون سنوات للعثور على أي موقف تشعر فيه السيدة إس إم بالخوف وهي كبيرة (انظر المقال الأساسي). وحقًّا، لا يستطيع ابنها البالغ أن يسترجع موقفًا واحدًا بدت فيه إس إم خائفة، ويَذْكُر إحدى المرات التي كان يتمدد فيها ثعبان ضخم في الطريق ذي الحارة الواحدة أمام منزلهم، ودون أن تجفل، قبضت يداها العاريتان على الثعبان ثم وضعته على الأعشاب حيث يمكنه أن يزحف بعيدًا في أمان. الشيء الغريب أنه يبدو أن لديها شيئًا من البصيرة تجاه سلوكها الاستثنائي؛ إذ أخبر ابنُها فريقًا من الباحثين من بينهم جاستين فاينستاين بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: «كانت تخبرني دائمًا أنها كانت تخشى الثعابين وأشياء من مثل هذا القبيل، لكن فجأة صارت لا تخشى أيًّا منها. رأيت أن هذا غريب.»

وفي بعض الأحيان، استغلَّ الناسُ طبيعتَها غير الخائفة هذه؛ مما عرَّض حياتها للخطر في أكثر من موقف؛ ففي إحدى الليالي عندما كانت إس إم في الثلاثين من عمرها، وفيما كانت عائدة إلى منزلها بمفردها عَبْرَ إحدى الحدائق، كان رجل — وصفته فيما بعد بأنه كان يبدو «تحت تأثير المخدِّرات» — يجلس على أحد المقاعد، ناداها الرجل وأومأ لها بأن تأتي. وبدون تردد، سارت نحوه، وعندما اقتربت بدرجة كافية، نهض الغريب وجذبها من قميصها ووضع سكينًا أمام حلقها مهددًا إياها بالذبح. لم تجفل إس إم، وأخبرته في جسارة: «إذا كنت تنوي قتلي، فعليك أن تتخطَّى ملائكةَ الرب التي تحرسني أولًا.» أرخى الرجل قبضته، وسارت إس إم في هدوء بعيدًا. وفي اليوم التالي، سارت في نفس الطريق دون أن تساورها ذرة من القلق.

هذا ليس معناه أن إس إم غيرُ واعية بالمخاطر اليومية وكيفية تحاشيها. يقول فاينستاين: «إنها قادرة على تعلم الخوف طبقًا لقواعد شرطية.» ينطبق هذا بالأخص على التجنب النمطي للمخاطر؛ فعلى سبيل المثال لا تخطو إس إم الشارع أبدًا دون أن تنظر في الاتجاهين أولًا.

وعلاوة على المعاناة التي تتكبدها لاكتشاف المخاطر المباشرة على حياتها، فإنها تعجز أيضًا عن إدراك المخاطر في المواقف الاجتماعية؛ مما يجعلها فريسة سهلة للمحتالين على الإنترنت، وصداقاتها طويلة الأجل محدودة.

في مثل هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر، تُعتبَر زياراتها المتكررة إلى المختبر ركيزة للاستقرار؛ إذ يقول فاينستاين: «العلاقة الوحيدة التي لم تخذلها هي علاقتها بمعمل الأبحاث، وهذا شيء يزعجني بعض الشيء.» يشعر فاينستاين بالمسئولية نحو السيدة إس إم، ففي النهاية هي قامت بدور في تطوير أبحاثه، فيقول: «أنظر إلى الأمر كما لو أنني التلميذ وهي المعلِّمة.»

06 déc, 2015 07:42:49 PM
1