Перейти к основному содержанию
جفاف المنطقة العربية يفاقمه اضطراب المناخ فيما الحلول قاصرة

طفل يحمل كوبه الفارغ في انتظار رشفة ماء لا يجدها. أرض جافة مشققة لا تجد ما يرويها. أناس يتصببون عرقاً في رحلة شاقة لملء دلو صغير بالماء. إنها مشاهد العطش المتفاقم حاضراً في عالم تتزايد ندرة المياه فيه بصورة متصاعدة. يحدث ذلك فيما تروج خطابات عن مساعٍ دوليّة دؤوبة لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (مجموعها سبعة عشر هدفاً)، الذي ينص على ضرورة ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع، إضافة إلى إدارة مواردها بطرق تنسجم مع مفهوم الاستدامة. في المقابل، تصدم تلك الأرقام التي تتحدث عن أحوال المياه، إذ تشير إلى وجود ما يزيد على 800 مليون إنسان لا يحصلون على مياه شرب نظيفة، إضافة إلى معاناة 2.5 بليون شخص أزمة غياب خدمات الصرف الصحي. وفي كل سنة، تقضي المياه الملوّثة على ما يزيد عن ثلاثمئة ألف طفل قبل بلوغهم السنة الخامسة من العمر.


بقول واضح، هناك فجوة كبيرة بين العرض والطلب في أزمة المياه، خصوصاً مع استمرار الزيادة السكانيّة، وتزايد خطورة الأوضاع المتّصلة بتفاقم ظاهرة التغيّر في المناخ التي تزداد تطرفاً فتولّد تأثيرات سلبيّة (كميّاً ونوعيّاً) على المياه العذبة. ووصل الأمر إلى حد توقّع مجموعة من الخبراء والعلماء أنه بحلول العام 2050، سيعاني قرابة خمسة بلايين شخص (بالأحرى نصف سكان الكرة الأرضيّة حينها) ضغوطاً مائيّة متنوّعة. وعلى نحو مشابه، توالت توقّعات تنذر بتدهور حال المياه العذبة في الكرة الأرضيّة، أثناء انعقاد مؤتمر دولي رفيع المستوى عن المياه استضافته أخيراً مدينة دوشنبة (عاصمة طاجيكستان). وتمحورت أعمال المؤتمر حول «العقد الدولي للمياه» International Water Decade الذي أطلق أثناء الاحتفال السنوي باليوم العالمي للمياه في 22 آذار (مارس) الماضي، بل كان شعاره الأساسي هو «المياه من أجل التنمية المستدامة 2018 – 2028».

بشر أكثر... مياه أسوأ

جاء الإعلان عن ذلك العقد المائي الجديد استكمالاً لجهود كثيرة سابقة من بينها «السنة الدوليّة للمياه العذبة» و «السنة الدوليّة للتعاون في مجال المياه»، إضافة إلى «العقد الدولي للمياه من أجل الحياة- من 2005 إلى 2015».

والأرجح أن الجهود المبذولة حتى الآن لم تواكب في سرعتها وكفاءتها، المتغيّرات والتحديات التي تواجه قضايا المياه العذبة. وينعقد الأمل حاضراً على أن يحقق العقد المائي الجديد نتائج أكثر قوّة وفاعلية على الأرض، خصوصاً لجهة ربط قضيتي المياه والتنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية. وكذلك يؤمل بذل جهود كفؤة في الإدارة المستدامة للمياه بطرق تزيد كفاءة استخدامها، وترفع إنتاجيتها، وتحدّ من تلوّثها، إضافة إلى تطوير تكنولوجيات ملائمة في تدوير المياه وإعادة استخدامها بأساليب تراعي الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

ومن التقارير التي نوقشت في ذلك المؤتمر، يبرز تقرير بعنوان «بشر أكثر وغذاء أكثر: مياه أسوأ». ويناقش قضية تلوّث المياه بتأثير الصرف الزراعي. ويورد أيضاً أنّ الملوّثات الناجمة عن الزراعة تشكل تهديداً خطيراً للمياه في العالم، إذ تحمل مياه الصرف الزراعي كميات كبيرة من الكيماويات والرواسب والأملاح والمواد العضويّة إلى المسطّحات المائيّة، إضافة إلى تلوّث المياه الجوفيّة بالمواد النيتروجينية المستخدمة في الأسمدة الزراعيّة. ويورد التقرير أن استخدام الأراضي يتزايد باستمرار، وكذلك الحال بالنسبة إلى استعمال المبيدات والأسمدة الكيماويّة. وأدى ذلك إلى زيادة الإنتاج الزراعي لكنه دمّر البيئة، وهدد صحة الكائنات الحيّة وعلى رأسها الإنسان.

ويسرد التقرير قائمة بالمواد المسبّبة للخطورة في الملوّثات الزراعيّة، على غرار بقايا العناصر المعدنيّة، والملوّثات العضويّة الثابتة، والمضادات الحيويّة والهرمونات التي تعطى للمواشي فتنتقل من المزارع إلى مياه الشرب، بل مجمل النُظُم الإيكولوجيّة. وانتشر في شكل كبير تلوّث المياه بالمواد العضويّة جراء تربية الماشية والأسماك (وهي تطلق كميّات كبيرة من إفرازاتها في المياه)، والأعلاف غير المأكولة، والمضادات الحيويّة ومبيدات الفطريات وغيرها.

تشاؤم بلغة الأرقام

وهناك أرقام يذكرها التقرير لتوضيح حجم الخطورة التي تمثّلها مخلفات الزراعة ومياهها، يرد فيها أن العالم يستخدم قرابة 115 مليون طن من أسمدة النيتروجين المعدني في الزراعة سنوياً، وتتراكم 20 في المئة منها في التربة وبقية مكوّنات ما يسمّى «الكتلة الحيويّة» («بيوماس» Biomass) التي تشمل أساساً كل الكائنات الحيّة التي تعيش ضمن نظام بيئي معين. وفي المقابل، يذهب 35 في المئة من أسمدة النيتروجين إلى البحار. وبصورة عامة، يتم رش 4.6 مليون طن من المبيدات الكيماويّة في البيئة سنوياً. ويقدر أن 24 في المئة من المساحة المروية عالميّاً تعرضت لظاهرة التملّح التي تعني ارتفاع نسبة الأملاح فيها إلى حد يجعلها غير صالحة للزراعة.

وتتزايد آثار تلوّث المياه في الدول النامية التي تستخدم 25 في المئة من المبيدات المستهلكة عالميّاً، مع حدوث وفيّات فيها بأثر تلك المبيدات تصل إلى 99 في المئة من ذلك النوع من الوفيات عالميّاً.

وكذلك يطرح التقرير حلولاً عدّة لتلك المشكلات، مع التشديد على أنّ تلوّث المياه جراء الزراعة ومياهها، يمثل تحدياً معقداً. وتشمل قائمة تلك الحلول رصد الملوّثات والسيطرة عليها ومعالجتها قبل أن تصل إلى النُظُم الإيكولوجية، ما يفيد في تخفيف الضغط على النُظُم البيئيّة المائيّة الريفيّة.

ويتوجّب أيضاً تطبيق معايير صارمة لتقويم الأثر البيئي للنشاطات الزراعيّة، وضبط جودة المياه، وتقوية التشريعات المتصلة بتداول بعض المواد الخطيرة المستخدمة في الزراعة. وكذلك يجب الحدّ من استخدام المبيدات والأسمدة الكيماويّة، وتحسين أنظمة التحكّم في تصريف مياه الزراعة، والتوجّه صوب إدارة متكاملة في مكافحة الآفات تركز على استخدام أصناف من المحاصيل مقاومة للآفات ومقتصدة في المياه. وكذلك يجب التفكير في إدخال المُفتَرِسات الطبيعيّة للكائنات التي تساهم في نشر الآفات الشائعة.

واستطراداً، يجدر الانخراط أيضاً في تطوير شامل لعمليات الإنتاج الحيواني، واستعادة المراعي المتدهورة، وتطوير نُظُم تغذية الحيوانات عبر تدعيمها بأحدث الأساليب الفنيّة والتقنيّة، ما يفيد في الحدّ من وصول مخلفات الزراعة إلى المياه وبقية مكوّنات البيئة.

ظمأ زاحف على الجغرافيا العربيّة

في غير ورقة استراتيجيّة قدّمتها إلى دول الجامعة العربيّة، دأبت «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزارعة» («فاو») على التحذير من حدوث توتّرات كبيرة في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في شأن موارد المياه العابرة للحدود، خصوصاً الأنهار الكبرى لدول الإقليم (النيل، الفرات، الأردن...) التي ينطبق عليها ذلك الوصف. ووضعت «فاو» تصورات استراتيجيّة تتضمن حقائق صارمة أمام صناع القرار في العالم العربي، بهدف حثّهم على التحرّك على المستويينِ الوطني والإقليمي لمجابهة الأخطار التي تهدّد المياه والزراعة. وتذكّر «فاو» بأنّ متوسط الكميّة السنويّة للأمطار في إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا تقدّر بقرابة 150 ملليمتراً، ونصيب الفرد من الموارد المائيّة لا يمثّل سوى أقل من سُدس المتوسط العالمي. وتعاني البلدان العربيّة حاضراً من حال نضوب للمياه الجوفيّة فيها، ويؤثر تغيّر المناخ تأثيراً سلبيّاً في الزراعة والمياه في تلك البلدان.

ومن المتوقّع ارتفاع درجات الحرارة، وتدني كميّات الأمطار، وتفاقم أحوال الجفاف. وتالياً، تحتاج المنطقة إلى إدارة الموارد المتاحة بقدر أكبر من الكفاءة والاستدامة. لذا، رسمت «فاو» خطوات واضحة وآليّات أساسيّة للتوصّل إلى تلك الأهداف، تشمل البناء المؤسّساتي الجيّد والفعّال في الزراعة والمياه، وتعزيز قدرة دول الإقليم على التنظيم والتخطيط، وتوفير المعلومات لتلك الدول.

المرأة في دور حاسم

كذلك دعت «فاو» إلى اتّباع نُظُم الإدارة المتكاملة للموارد المائيّة من أجل تحسين كفاءة التوزيع والإنتاجيّة الزراعيّة، واعتماد مبدأ المشاركة واللامركزيّة، وإدماج المجتمع المحلي والمزارعين في إدارة موارد المياه، وتبني أفكار مستخدمي المياه وجمعيات المزارعين، إضافة إلى الاهتمام بفئات متنوّعة يتصدّرها المرأة والشباب.

ومن النقاط التي تركز عليها استراتيجيّة الـ «فاو»، ضرورة الاهتمام بمصادر المياه غير التقليديّة، عبر التخطيط والإدارة والدراسة الاقتصاديّة. وتشمل تلك المصادر المياه العادمة المُعادة معالجتها، والمياه شبه المالحة والمالحة، ومياه الصرف الزراعي. وتبرز تلك الاستراتيجيّة نقاطاً أساسيّة أخرى من بينها تطوير الري، والتوعية بقضية ندرة المياه، وتوفير قواعد بيانات وافية عن حال المياه الجوفيّة، وتحفيز البحث العلمي، والعمل على تطوير التقنيات المائيّة، والدراسة العميقة لعلاقة المياه مع الغذاء والطاقة، وتنمية الغابات والأشجار (خصوصاً في الأراضي المتدهورة) ومكافحة التصحّر وغيرها.

22 июл, 2018 11:07:29 AM
0