Skip to main content
علاء خالد يروض «أشباح» هاينريش بل

لا يدَّعي الشاعر علاء خالد عادة تأليفَ الحكايات، لأنه يُفصح دائماً ومن الصفحة الأولى عن واقعٍ معيش، لافتاً إلى لحظة هاربة من حياته، أو إلى جانبٍ مُهمل من سيرته الذاتية، لا تتماهى بفردانيتها وعزلتها في حيوات قرائه بالضرورة، بقدر ما تعيد إلى الأضواء أشباحاً باهتة مرت في حياة الشاعر.


في روايته الجديدة «أشباح بيت هاينريش بُل» (دار الشروق)، لا ينكر خالد أنه يروي يومياته ككاتب مصري، حصل العام 2011 على منحة للإقامة مدة أربعة أشهر في إحدى أجمل غابات الريف الأوروبي، وتحديداً في بيت الروائي والقاص الألماني هاينريش بُل (حاز جائزة نوبل في الآداب عام 1972) في مدينة «كولون» الألمانية. وجاءت تلك المنحة بعد شهور من اندلاع «ثورة 25 يناير»، وكان حينها - كدأب الشعراء - ثورياً يحلم بالعدل ويشارك في المسيرات، حتى وهو يدخل سن الخمسين، إلى أن قبل الدعوة التي طلب تأجيلها مراراً.

وتُعيد هذه الرواية - التي أثمرتها تلك الزيارة - الاعتبار إلى رواية الرحلة، مواجهاً أسئلة الكاتب العربي المهاجر «موقتاً»، عن الحب والفلسفة والدين، واضعاً الفارق الرهيب بين لانهائية الصحراء في بلاده، والجمال الفاره للغابات الأوربية الخضراء، مستشعراً جانباً رقيقاً ومدهشاً من فكرة الحنين للوطن، التي لم يجدها بالكثافة نفسها- كما يقول- لدى زملاء المنحة، الآتين من ثقافات أوربية وآسيوية شتى.

هذه إذن «حكاية الحكاية». لقد كُتبت الرواية خلال مدة «المنحة الأدبية»، وهي تبدأ بعنوان «سفر»، حيث يودع البطل زوجته باتجاه الطائرة التي تقله إلى أوروبا، بينما تنتهي بفصل «العودة» إلى مصر، مصطحباً معه «المراكب الورقية» الثلاثة، التي صنعتها ابنة «يي كاي»، الكاتب الصيني الذي جاء إلى المنحة الألمانية، مصطحباً أسرته، كأنها ترمز إلى النتائج الورقية الهشة التي خلفتها رحلة البحث عن أشباح الثورة. وما بين السفر والعودة يكتب خالد روايته كشاعرٍ مُغامرٍ بالسليقة، لا يعرف صوتاً واحداً لذلك العواء الذي يعلو بداخله، وإن كان يستطيعَ أن يستدل عليه مع كل رواية جديدة، ما يجعل الكتابة كل مرَّة وثبة إلى المجهول، الذي نعيد اكتشافه معه من جديد.

وفي حين أن زمن الصياغة النهائية للرواية يختلف بالقطع عن زمن تفاعلها، حيث أضاف الكاتب إلى صفحات الرواية مقالاتٍ كتبها من بيت «هاينرش بُل»، لإحدى الصحف الأسبوعية المصرية، ودارت حول هموم وأشواق وأسى كاتب غادر الميدان مضطراً، وإن بقيت أشباحه عالقة في قلبه، إلا أن الرواية لا تعرف الأساطير، وكاتبها لا يختفي وراء أي قناع. انه يصف رحلته ببساطة إلى حدٍ أننا لا نستطيع أن نتبين اسم بطل الرواية أبداً خلال الأحداث، ليكون جسد الرواية هو يوميات الإقامة بين المبدعين المشاركين في المنحة، القادمين من بلدان عرفت أحلام الثورة ومراراتها، أو تعرضت ثقافتهم إلى محاولة اقتلاع، منهم «ألغريد» البيلاروسي الذي كان يــشعر بغربته وخجله وحنينه لوطنه، وهو يتحدث اللغة الانكليزية، ولذلك كان يتأتئ وهو يلفظها خائفاً من أن روسيا تريد أن تخطف وطنه الصغير، ذي الملايين العشرة، والتي كانت تمثل «أمة» بالنسبة إليه، كما يقول صارخاً في إحدى الجلسات.

على الرغم من أنه ليس أول روائي عربي يكتب روايته في سياق «أدب الرحلة إلى الغرب»، إلا أنه قد يكون من القليلين الذين كتبوا «غربَهم» بنديَّة وتفهٌّم، بحيث لم يجد نقصاً في ثقافته يدفعه إلى الانتقام بفحولته الرجولية من ذلك الغرب المستعمِر، كما فعل مصطفى سعيد بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، للروائي السوداني الطيب صالح « 1929- 2009»، كما لم ينبهر بإنجازات ذلك الغرب أو يتواطأ معه، كما فعل إسماعيل بطل رواية «قنديل أم هاشم»، للكاتب المصري الكبير يحيى حقي «1905- 1992»، فضلاً عن أنه لم يطارد نساء برلين بنظراته اللاهبة، مثلما فعل عبدالعزيز بطل رواية «قدر الغرف المقبضة» للروائي المصري عبدالحكيم قاسم «1935- 1990»، والذي لم يحظ بحق الإقامة في الشرق أو في الغرب، سوى داخل الغرف القذرة.

صحيح أن خالد وجد في هذا الغرب بعض الأشباح، فقد كان بيت صاحب نوبل محاطاً بأسرة مكونة من امرأة عجوز وابنها الموتور، حيث اعتقد سكان «بُل هاوس»، أنهما يراقبان البيت لأسباب مجهولة، لكن سرعان ما سنكتشف أن الأشباح الحقيقية التي ظـــلت تطارده جاءت معه من مصر، كأنه يقول لنا إن قتلى الثورات غير المكتملة تظل أرواحهم تحلق في مكان ما، وتطارد الكاتب المشغول بها، مهما حاول أن يهرب منها بعيداً، في مدينة هادئة، في الريف الألماني، ومهما حاول ترويضها هناك، حيث نلاحظ- على امتداد صفحات الرواية- تماسك حجة أحد رفاق الرحلة، وهو الشاعر الصربي «زوفنكو»، الذي أكد دائماً أن الأسوأ سوف يأتي إلى أي ثورة، لكنه- أحياناً- يكون في حاجة إلى بعض الوقت.

يقول: «عندما يضبطني زوفنكو وأنا أتحدث عن الثورة في مصر بلــهفة وعـــاطفية، يقول لي: «أرجوك ما تكونـــش فرحان كده... لكن يا زوفنــكو اعتبـــرني مثل جـــيرمان من هؤلاء الفـــارين من الثورة، جئت هنا كي أكتب عن حلم شهور الثورة الأولى... الثورة هي أيـــام الحب الأولى، هذا هو التفسير الشعري الذي تناولته مع زوفنكو في غرفة الشمس مساء اليوم».

يعتبر علاء خالد من الرعيل الأول لقصيدة النثر المصرية، «مُقيم في مدينة الإسكندرية الساحلية»، صاحب ومؤسس مجلة «أمكنة»، إحدى المجلات المهمة في الثقافة المصرية المعاصرة، التي اعتنت مبكراً جداً بثـــقافة المكان، صدرت له 6 دواوين شعرية منها «تصبحين على خير» 2007، وعدة روايات منها: «ألم خفيف كريـــشة طائر تتـــنقل بهــدوء من مكان لآخر»، عام 2009، إلى جانب كتاب في أدب الرحلات بعنوان «أكتب إليك من بلد بعيد»، وأصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب٬ أخيراً، مختارات شعرية له اختارت لها عنوان: «أسير وراء ذاكرتي كقفَّاء أثر، كراعٍ رحيم».

06 Jun, 2018 12:12:16 PM
0

لمشاركة الخبر