تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تيار "الرواية الجديدة" يعود إلى الواجهة الفرنسية بثورته المفتوحة

جمع الناقد الفرنسي جان إيف تادييه الرسائل التي تبادلها رواد موجة "الرواية الجديدة" التي أحدثت ثورة في الكتابة الروائية الفرنسية والعالمية، ورسخت مفهوماً جديداً للفن الروائي وتقنيات غير معهودة ورؤية فريدة إلى عناصر السرد كالشخصيات والأمكنة والزمن والحبكة والراوي. حمل الكتاب عنوان "الرواية الجديدة- المراسلة" وصدر عن دار غاليمار، وضم رسائل تبادلها الروائيون الذين وسموا تاريخ الرواية الحديثة وهم: ميشال بوتو، وآلان روب غرييه، وكلود سيمون، وناتالي ساروت، وكلود مورياك، وكلود أولييه، وروبير بينجه. وكانت انطلقت الموجة مع إصدار آلان روب غرييه روايته الشهيرة "المماحي" عن دار مينوي الشهيرة التي احتضنت هذه الموجة وقدمتها إلى القراء والنقاد برعاية صاحبها جيروم لندون.

411681-765127464.jpg

 

الكتاب الذي يضم المراسلات (دار غاليمار)

 

دأبت الصحافة الأدبية ومراكز الأبحاث في الآونة الاخيرة على موجة أو تيار"الرواية الجديدة"، ربما للإضاءة على خصائص في الكتابة الروائية كانت قد أحدثت خرقاً نوعياً لصالح التجديد في الرواية، ولكسر العديد من المحرمات فيها. مع العلم أن الرواية تكاد تشكل، في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، النوع أو الجنس الأدبي الأكثر حضوراً في العالم، والأكثر شيوعاً واستحواذاً على الطباعة والنشر. ولا تخرج الرواية العربية عن هذا المنظور، ولكن في نسب لا يمكن مقارنتها مع نظيرتها الغربية.

تصور جديد للرواية

إذاً، أطلقت جماعة من الكتاب الفرنسيين، تسمية "الرواية الجديدة"، على تصور للرواية يخالف بعضاً من المبادئ التي قامت عليها الرواية التقليدية، منذ ابتداعها، أواخر القرن السابع عشر على يد ثربانتيس وروايته "دون كيخوته"، وحتى الأربعينيات من القرن العشرين، من مثل انتظام الحبكة القصصية بصورة خطية ومطردة، ومحاكاة الواقع على النهج الأرسطي وبنيان شبه-عالم (المكان، والزمان، والشخصيات، والبيئة الاجتماعية)، وغيرها من المبادئ التي لطالما اعتبرتها الغالبية العظمى من الكتاب معايير ثابتة لبنيان الفن الروائي، إلى أن جرؤ المبدعون منهم على تجاوز البعض منها، وإدخال حساسيات جديدة؛ من مثل استيلاد كل من فوكنر، وجيمس جويس ما بات يدعى باندفاقة الوعي (تيار الوعي)، وغيره مما يرد لاحقاً.

411686-421607692.jpg

رواية "المماحي" التي افتتحت تيار الرواية الجديدة (دار مينوي)

تشكل تيار الرواية الجديدة من الروائيين الآتين: آلان روب غرييه، وناتالي ساروت، وكلود سيمون، وميشال بوتور، وصموئيل بيكيت، وروبير بينجيه، ومارغريت دوراس، وكلود مورياك، وكلود أولييه، وسواهم من الروائيين الذين أتوا لاحقاً، لا سيما في حركة مجلة "تل كل" التي أسسها فيليب سولرز. ويجمع النقاد والباحثون على أن انطلاقة هذا التيار كانت مع رواية "المماحي" التي أصدرها آلان روب غرييه عام 1953.

وعلى الرغم من أن لبعض هؤلاء أدواراً حاسمة في رسم الخطوط العريضة لهذا التيار، على نحو ما قام به كل من ناتالي ساروت، وآلان روب غرييه في كتابيهما الصادرين على التوالي "عهد الريبة" و"من أجل رواية جديدة"، يضعان فيهما أسساً لرؤية مختلفة عما سبق، بالاستناد إلى أعمال روائية مثل فراز كافكا، وروايته "المحاكمة"، وبروست وروايته "البحث عن الزمن الضائع"، ورواية "أوليس" لجايمس جويس، وغيرها، فإن أساليب وأنماطاً من التفكير جديدة وحساسيات نفاذة كانت سبباً في نيل أصحابها المنخرطين في هذه الحركة نوبل للآداب، أمثال صموئيل بيكيت، وكلود سيمون.

خمسة مبادئ

أما المبادئ التي قامت عليها حركة الرواية الجديدة، والتي يمكن للباحث أن يستقيها من العملين النقديين لكل من ساروت، وغرييه، السالفين، فأهمها: رفض اعتماد الشخصية النموذجية التي جرى اتباعها في الرواية التقليدية، والتي غالباً ما كانت تتميز باتساق في سماتها وأبعادها، منذ ولادتها وحتى مماتها. وهذا أمر قد ينافي مسار الشخصية الزمني، في تطورها وتحولاتها غير المحسوبة، طبعاً وفقاً لمنظور حركة الرواية الجديدة. وقد أوردت ناتالي ساروت أمثلة على رفضها هذا مستقاة من روايتي "أوليس" لجيمس جويس، وفولكنر في روايته "الضجيج والغضب"، و"المحاكمة" لفراز كافكا التي أشار فيها الروائي إلى الشخصيات بأول حرف من أسمائها، ما دام أن وجودها رهنٌ بإطارها الاجتماعي وبأفعالها الدالة على تصور الكاتب ورؤيته. فضلاً عن ذلك، اتجه البعض، جورج بيريك على سبيل المثال، إلى إيلاء أدوات الاستهلاك، في روايته "الأشياء"، بديلاً عن الأبطال أو الشخصيات النموذجية وغيرها.

411691-1386623318.jpg

"عصر الريبة" لناتالي ساروت (دار غاليمار)

أما المبدأ الثاني الذي وضعته "الرواية الجديدة" لنفسها فكان رفضها وجهة النظر الكلية العلم، أي اعتبار الراوي، ناقل الأحداث والانطباعات، عالماً بكل شيء، وذا معارف موسوعية تخوله الحكم على كل ما يقع نظره عليه، واصفاً ومعلقاً. ومن شأن هذا الرفض أن يضع إنجاز الروائيين الفرنسيين والأوروبيين الكبار، مثل أونوريه دي بلزاك، وغوستاف فلوبير، وإميل زولا، وألكسندر دوما، وفيكتور هوغو، وغيرهم، موضع مساءلة وتقييم لطبيعة الراوي، ووجهة النظر العليمة المشار إليها. وبالمقابل، يفضل هؤلاء الركون إلى مفهوم "تيار الوعي" أو "اندفاقة الوعي"، التي كان سبق لجيمس جويس أن استخدمه في روايته "أوليس" مستعيضاً به عن الراوي العليم. أضف إلى ذلك، أن الذاتية ينبغي أن تكون منطلق كل كاتب في بناء عالمه الروائي والنظرة إلى قضاياه، في مقابل شرط الموضوعية الذي لطالما دعا الروائيون التقليديون إلى اعتماده.

يقوم المبدأ الثالث على رفض هؤلاء الكتاب مفهوم الحبكة القصصية، على النحو الذي لطالما درج عليه الروائيون التقليديون، واعتبارهم أن الحكاية يمكن أن يرويها عديدٌ من الأشخاص، وبالتالي يمكن أن تخضع لتحويراتهم وسيناريوهاتهم المختلفة. ثم إنه ليس من حبكة، في الواقع، تتبع مساراً خطياً أو مطرداً على النحو الذي تم تصوره نظرياً، من قبل الكتاب الكلاسيكيين.

رفض الواقعية

المبدأ الرابع الناظم حركة الرواية الجديدة هو رفضها الواقعية المعاصرة؛ ويعني هذا انتفاء الشعور بلزوم حرص الكاتب على الإحالة على الواقع الذي ينقله في روايته، على النحو الذي لطالما اتبعته الرواية الواقعية في القرن التاسع عشر (من مثل ستاندال، وبلزاك، وفلوبير، وفيكتور هوغو) إذ ينقل الواقع كما هو، بكل تجلياته، ومظاهره ومستوياته الإنسانية والاجتماعية والعاطفية. يدعو رواد "الرواية الجديدة" إلى عدم نقل الواقع، وعدم الإيحاء بأي نوع من الإحالة على الواقعية، وإنما الإشارة إلى بعض عناصر الواقعية سعياً إلى تبديد مفاعيل الواقعية، على نحو ما قام به آلان روب غرييه، أحد منظري الحركة والمتشددين فيها.

411696-108394362.jpg

رواية "مالون يموت" (دار مينوي )

بيد أن هذا الميل المتشدد إلى نبذ الواقعية لم يوافقه عليه بعض أتباع الحركة، ممن كانت لديهم رؤى فريدة وحساسيات خاصة، من مثل كلود سيمون، وصموئيل بيكيت، الذي نال نوبل للآداب (1969)، وناتالي ساروت، وجان- ماري لوكليزيو، الذي نال نوبل للآداب (2008) بالتزامن مع صدور رواية له بعنوان "لازمة الجوع"، وقد تميزت أعماله بالانفتاح على حضارات الشعوب الهندية الأميركية، مثل الأزتيك وغيرها.

أما المبدأ الخامس لحركة الرواية الجديدة، فهو أن الكتابة الروائية هي قيد التحقق، وليست تكراراً للتجارب الروائية السابقة، وهي البحث المتواصل عن الحساسيات الجديدة، التي لم يسبق أن تطرق إليها الأدب الروائي. وحسبُ هؤلاء الروائيين أن للرواية منطقاً خاصاً بها، وأنها تملك من ذاتها القدرة على التنامي من دون الحاجة إلى مؤلفها، وبغض النظر عن الخطة المسبقة التي تعد لإنجازها. بالطبع، يمكن أن يُفهم من هذا المبدأ أن الرواية من حيث هي فن، يحسن بمؤلفيها أن ينأوا بها عن التوجهات الأيديولوجية أياً تكن، وألا يهتموا كثيراً لغدها، فهي تكفل غدها ومسارها.

ولكن هل يمكن اعتبار حركة أو تيار "الرواية الجديدة" حديثاً أو معاصراً أمكن له أن يقطع صلته بالماضي؟ للإجابة أقول إن العديد من المبادئ والحلول التي قال بها أتباع هذه الحركة، ووضعوها موضع التطبيق، إنما كانت خلاصات لتجارب روائيين سابقين ونتاجاً لكشوفاتهم وابتكاراتهم وحساسياتهم الأسلوبية والدلالية عبر أعمالهم الروائية؛ إذ كان هويسمان (1884)، على سبيل المثال، ولأكثر من مئة وأربعين عاماً قد أقر بعدم لزوم الحبكة القصصية في الرواية. في حين استبطن فرانز كافكا مبدأ أن المنهج الكلاسيكي في نمذجة الشخصيات هو ثانوي ويمكن الإشارة إلى هذه الشخصيات بأول حرف من اسمها، على نحو ما قام به في رواية "المحاكمة" وشخصية "ك" الشهيرة. كما سبق لجيمس جويس أن التفت إلى إمكان تخلصه من خيط السرد العام أو المحوري في الرواية، وذلك في خلال كتابته روايته "أوليس"، وغير ذلك مما جعلته الحركة منطلقات للكتابات الروائية فيما بعد.

إذاً، يتبين أن مبادئ حركة الرواية الجديدة ليست جديدة كلياً، وهي ليست تجمعاً نظرياً لقوانين توضع للرواية؛ وإنما هي إطار، ليس إلا، للبحث عن الجديد والممكن في كتابة الرواية. بل إن الرواية، بمفهوم هذه الحركة، لا تعدو كونها مشروعاً عصياً على التحديد المسبق أو التأطير في قوالب جاهزة.

 

 

المصدر: اندبنتدنت عربية 

21 أغسطس, 2021 02:04:06 مساء
0