Skip to main content
كتب أحلم بقراءتها عام 2019

ما هي الكتب التي أود قراءتها في مطلع هذا العام الجديد؟ هذا هو السؤال الذي طرحته على نفسي مؤخرا. وبما أن المكتبات الفرنسية والفرانكوفونية تقذف أسبوعيا بعشرات إن لم يكن مئات الكتب فقد لزم علي الاختيار. كان نيتشه يقول ما معناه: «هناك أشياء كثيرة لا أريد معرفتها، وذلك لأن الحكمة تضع حدا حتى على المعرفة». وهي عبارة بليغة يمكن أن تعني عدة أشياء دفعة واحدة. فهي تعني أولا أن المفكر حتى لو كان عظيما في حجم نيتشه لا يستطيع أن يقرأ كل شيء أو يطلع على كل شيء. فربما اكتظ دماغه إلى حد الانفجار. وبالتالي فمن الحكمة أن نضع حدا حتى على الفهم والفكر والمعرفة. ولكن قد تعني العبارة ما يلي: قبل أن أنخرط في عملية القراء ينبغي أولا أن أحدد ما هي الكتب التي تستحق أن تُقرأ وما هي الكتب التي لا تستحق؟ وبالتالي فمن الحكمة أن أبتدئ أولا بحذف جميع الكتب التي لا تستحق أن أضيع خمس دقائق من وقتي فيها. وذلك لأن الإمكانات محدودة والعمر قصير. وبالتالي فإذا ما شغلت نفسي بالكتب التافهة فماذا سيتبقى لي من وقت لكي أكرسه للكتب الأمهات؟ ثم إنها قد تعني أن هناك أولويات في المعرفة، فهناك أشياء لا بد من معرفتها وأشياء يمكن الاستغناء عنها. يقال إنه حتى عهد هيغل فإن المفكر كان يستطيع أن يلم بجميع علوم عصره. ولكن بعد ذلك تضخمت المعرفة بشكل هائل وتشعبت إلى درجة أنه يستحيل على المفكر مهما علا شأنه أن يحيط بكل جوانب المعرفة. وبالتالي فلا بد من الاختيار والاختصاص. وبالمناسبة وللدلالة على أهمية القراءة ومتعة المطالعة اسمحوا لي أن أروي لكم النادرة التالية. يقال بأن المفكر المغربي الشهير محمد عابد الجابري عندما شعر بدنو الأجل قال هذه العبارة المؤثرة والرائعة في نظري: آه لو امتد بي العمر أكثر قليلا لكنت قد أشبعت نهمي إلى المعرفة. فهناك كتب كثيرة كنت أحلم بقراءتها ولكن الموت يداهمني. وهذه أجمل أمنية يمكن أن يعبر عنها فيلسوف قبل مفارقة هذه الدار الفانية. التاجر كان يحلم بصفقات جديدة وملايين جديدة قبل الوفاة. ولكن رجل الفكر لا يحلم إلا بالمكتبات ولا يتحسر إلا على الكتب التي لم يتح له الوقت الكافي للاطلاع عليها ومعرفة ما فيها. وبالتالي صدق من قال: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال.

بعد هذه الديباجة الطويلة نسبيا دعونا ندخل في صلب الموضوع ولنطرح السؤال مجددا: ما هي الكتب التي أحلم بقراءتها في مطلع هذا العام الجديد 2019؟. والجواب هو التالي: أول كتاب أحلم بقراءته هو حتما كتاب الفيلسوف الفرنسي المعروف لوك فيري: «قاموس عاشق للفلسفة». إنه حدث جلل ويستحق أن نتوقف عنده قليلا. فهو أولا كتاب عملاق يتجاوز الألف وستمائة صفحة! وكله مكرس للفلسفة والفلاسفة السابقين واللاحقين. وميزة الكتاب هي أنه لا يستعرض لك فقط فلاسفة الماضي في عصرهم فقط وإنما بالقياس إلى عصرنا أيضا. بمعنى ماذا تبقى منهم؟ وماذا سقط على الطريق وأصبح قديما باليا؟ ماذا بقي من كانط مثلا؟ أو من هيغل؟ أو من نيتشه؟ أو من هيدغر؟ الخ... وهذا شيء لا يقدر عليه إلا مفكر أكاديمي محترف بتاريخ الفلسفة كالسيد لوك فيري.

أما الكتاب الثاني الذي أود الاطلاع عليه فهو أيضا موسوعي مثل السابق. إنه «قاموس نيتشه». وهو أكبر قاموس عن نيتشه ونظرياته الفلسفية الأساسية لأنه يتجاوز الألف صفحة. وقد شارك فيه ما لا يقل عن ثلاثين باحثا اختصاصيا في الفلسفة وبخاصة فلسفة نيتشه. إنه قاموس يجعلك تتغلغل في عوالم نيتشه ومصطلحاته الأساسية: كمصطلح إرادة القوة، ومصطلح السوبرمان أو الإنسان الأعلى، ومصطلح العودة الأبدية، وسواها كثير. ولا ننسى كشوفاته الأخرى عن العالم التراجيدي، والعلم المرح، والحفر الجنيالوجي عن العقائد، والأهواء، والمثل العليا، بل وحتى الحفر عن الحقيقة ذاتها. إن هذا الكتاب الموسوعي يشهد على إبداعية نيتشه التي لا تنضب. ومعلوم أنه كان إنسانا متوحدا وحرا في آن معا. وكان ناقدا بلا هوادة للماضي والحاضر على حد سواء. كان مفكرا تفجيريا يفكك الماضي التراثي كله ويمهد لفلسفة المستقبل. ولكنه كان متطرفا أيضا، وبخاصة في نقده للدين. من هذه الناحية فإني أفضل عليه ذلك العاقل الرصين كانط، أكبر فلاسفة الأنوار في أوروبا.

أما الكتاب الثالث الذي أود قراءته فهو للمفكر المعروف جان كلود غيبو بعنوان: «الإيمان الذي يبقى». وقد أعجبني العنوان منذ البداية وأثار انتباهي. إنه عنوان جميل ومؤثر حقا. والكاتب المذكور كان بعيدا عن الدين طيلة حياته كمعظم فلاسفة فرنسا ومفكريها. فهم في الأغلب إما ملاحدة وإما لا أدريون في أحسن الأحوال. وعلى أي حال فإن الدين يعتبر بالنسبة لهم من مخلفات الماضي ولا يستحق الذكر. بل إن وسائل الإعلام الفرنسية تستهزئ بالدين والمتدينين على مدار الساعة. بل وتستهزئ حتى بالبابا بل وحتى بيسوع المسيح!... وبقدر ما أن الدين في العالم العربي أو الإسلامي يحظى بالتوقير والخشوع بقدر ما يحظى بالازدراء والاستهزاء في بلاد فولتير وموليير. وبقدر ما أن رجال الدين عندنا يحتلون الفضائيات ويفتون في كل شاردة وواردة بقدر ما يغيب الكهنة المسيحيون عن الأنظار في بلاد الغرب، ما عدا أميركا بطبيعة الحال. يقول المؤلف ما معناه: لقد أصبحت الكنائس فارغة في بلداننا وتحولت إلى مراكز ثقافية أو متاحف بل وحتى فنادق! لم يعد للمسيحية من وجود تقريبا في بلدان أوروبا الغربية وذلك على عكس بلدان أوروبا الشرقية التي بقيت مسيحية كبولونيا مثلا... ويروي المؤلف النادرة التالية: وهي أنه ألف سابقا كتابا بعنوان: «لماذا أصبحت مسيحيا من جديد»؟ وعندما عرضه على الناشرين الباريسيين رفضوه في البداية قائلين: يا أستاذ هذا موضوع رجعي لا يستحق النشر! يا أستاذ موضوع الدين انتهى وأصبح في ذمة التاريخ. لقد تجاوزه الزمن. فراح يضحك ويكاد يموت من الضحك. نقول ذلك وبخاصة أنه فيلسوف مهم وصاحب كتب شهيرة ملأت المكتبات. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر كتاب: «خيانة التنوير». وقد نال عليه جائزة جان جاك روسو. على أي حال يهمني أن أطلع على تجربة هذا الكاتب المحترم الذي عاد إلى الدين في بلاد مفرغة كليا من الدين ومكتسحة كليا من قبل الثقافة العلمانية بل وحتى الإلحادية. في الواقع أنه لا يعود إلى الدين في صيغته الأصولية الظلامية القروسطية وإنما في صيغته التنويرية والأخلاقية والروحانية العالية المتعالية. على أي حال فإن أهمية مثل هذه الكتب هي أنها تبين لك الفرق بين حالة الدين عندنا وحالة الدين عندهم. إنها معكوسة تماما. تطرف قروسطي ظلامي مقابل تطرف مادي الحادي انحلالي. تعددت الأسباب والموت واحد!... فنحن لا نتجرأ على نقد الدين أو رجال الدين، بل ونعد على العشرة قبل توجيه أي نقد لأصغر رجل دين، أما هم فيتهكمون برجال الدين عندهم على مدار الساعة. والواقع أنهم تجاوزوا مرحلة الظلامية الدينية كليا في حين أننا نحن لا نزال غاطسين فيها حتى الرقاب. هنا يكمن الفرق الأساسي بين العالم العربي والعالم الأوروبي. هم بالغوا في نقد الدين والخروج منه ونحن نبالغ في التشبث بدوغمائيته وحرفيته وعدم الجرأة على نقده! ثم هناك نكتة أخرى يرويها المؤلف. في أحد الأيام قال له أستاذه الفيلسوف المسيحي الكبير رينيه جيرار: أوصيك بقراءة نيتشه. فاستغرب الأمر وأصيب بدهشة كبيرة. وذلك لأن نيتشه هو أكبر عدو للدين والمتدينين وهو الذي اشتهر بأطروحته الرهيبة عن موت الله وانحسار المسيحية. وهو أحد كبار فلاسفة الإلحاد في الغرب. فكيف يوصيه بقراءته؟ وعندئذ أجابه رينيه جيرار قائلا: هناك نقطة وحيدة تجمع بيننا وبين نيتشه وإن بشكل معكوس. فسأله: وما هي؟ فقال: أنه يأخذ الإنجيل على محمل الجد إلى أقصى حد ممكن. ولكنه يعتبر الإنجيل «كارثة» ونحن نعتبره الحدث الأعظم الذي قسم التاريخ إلى قسمين: ما قبله وما بعده. نحن نعتبره البشرى السارة أو الخبر الطيب أو بشرى الخلاص.

وتعقيبا على كلام البروفسور رينيه جيرار اسمحوا لنا أن نقول: نحن أيضا نعتبر القرآن الكريم الحدث الأعظم الذي قسم تاريخنا بل وتاريخ البشرية كلها إلى نصفين، ما قبله وما بعده. ولكن المشكلة التي تحز في القلب هي أن الإنجيل حظي بفلاسفة كبار درسوه وأضاءوه من جميع جوانبه من أمثال سبينوزا وفولتير وروسو وكانط ونيتشه ذاته ورينان وبول ريكور وعشرات غيرهم، هذا في حين أن القرآن لم يحظ حتى الآن بمفكرين عرب على ذات المستوى. أتحدى أي مثقف عربي أو مسلم أن يشرح لي ما هو القرآن. ما عدا محمد أركون وفضل الرحمن لا أعرف أحدا يذكر اللهم إلا المستشرقين الأكاديميين الكبار من نولدكه إلى جاكلين شابي. ولكن من يتجرأ على ترجمة مؤلفاتهم؟ حتى الترجمة ممنوعة! هناك آلاف الكتب التي تدرس الإنجيل والتوراة من وجهة نظر حداثية أو تاريخية، نقدية، فلسفية، عميقة، ولكن لا يوجد كتاب واحد في اللغة العربية له معنى عن القرآن. ثم بعد كل ذلك يتساءلون مستغربين: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟!

على أي حال فإن جان كلود غيبو يعود إلى الدين في روحانيته الصافية بعد أن مل من حياة الاستهلاك والمتع والشهوات التي تكتسح الحياة الغربية. إنه يبحث عن معنى الوجود فيما وراء كل هذه المظاهر الفارغة. وهذا من حقه، بل وشرف له أن يعود إلى أنوار الدين بعد أن استنفد أنوار الفلسفة وشبع من الحضارة المادية الاستهلاكية. إنه يطرح هذا السؤال: ما هو هذا الإيمان الذي لا ينطفئ رغم أن الكنائس في الغرب أصبحت فارغة؟ لماذا يبقى متقدا أو مشتعلا؟ تساؤل جميل ولا أروع. ثم يتحدث المؤلف عن النار المقدسة التي يتوهج في أحضانها الإيمان. ثم يصرح بكل وضوح: أتجرأ على القول بأني تغيرت وتطورت. في السابق لم يكن الدين يعني لي شيئا والآن أصبح في مركز وجودي واهتماماتي. إنه يخلع المعنى على حياتي. ولكنه يعترف بأن الدين قد يتحول لدى الجهلة إلى ظلاميات مرعبة وتعصب قاتل إذا لم يكن مستضيئا بوهج العقل ونور الفلسفة.

13 Jan, 2019 10:05:42 AM
0

لمشاركة الخبر