Skip to main content
ناصر الريماوي روائح وذكريات

ناصر الريماوي روائح وذكريات

 

(ثلاث عواصم عربية)
خلال شهرين، وتحديدا في عام 1986 زرت ثلاث عواصم عربية، دفعة واحدة.
(القدس):
وبينما كنت أطيل النظر إلى حجارة السور، تملكتني روائح الزمن العتيق واعتراني هبوبها المفاجئ.
تمر القرون كشريط سينمائي، منذ عهد اليبوسيين وحتى آخر جندي مقاتل، قضى شهيدا وظل محدقا ببصره نحو عطفات الطريق الملتفة حول المدينة، وحتى سهول الأرض الساحلية، المنخفضة.
التاريخ يتحلل مع الوقت ويفيض بسحر الرائحة في ذلك المكان، وهو أكثر ما يعلق في الذاكرة أو يطفو على سطحها بين حين وآخر.
رحيق الحكايات المتوارثة في الشوارع العتيقة أيضا راح يتقافز من حولي، وكان يشبه في حدته توابل الهند البعيدة وعتمة الحارات، يهب أو يتسرب من زواياها الخفية، المسقوفة بمعاطف الذكريات ونكهات التاريخ الغامضة.
(بغداد):
في كل خطوة هناك، كنت أمر بنخلة، أو أتعثر بها، كان النخيل فضفاضا وشامخا، وكان يجذبني عميقا نحو رحابة التاريخ بهمسه المتصاعد وهو يبوح لدجلة.
أخذني الهمس بإيقاعاته الليلية ذات مساء صيفي مشتعل، نحو قصور فسيحة تطل على النهر، قصور مسيجة بأفياء المساء وضوء القمر، ساحاتها مشرعة نحو البعيد، تراءت لي من بين أشجار النخيل الكثيفة. قبابها المزركشة كان يحجبها الضباب الكوني حينا، ويطلقها باتجاهي حينا آخر.
أصداء موحشة تصلني لشاعر «عباسي»، يصدح بالشعر والموسيقى، وسط حدائق القصر المطلة.
انبرى «أبو النواس» منشدا، فزاد صداه من وحشة الماضي ورهبة المكان، وراح يقرع صدري غير آبه بالصدى.
تندلع الرائحة، وتختلط، برطوبة النهر وحكايا التاريخ الآفلة على ضفتيه.
مع شمس الصباح وهي تنفض عن سعف النخيل غبار العتمة وعوالق الرائحة، تعود «بغداد» من جديد، مدينة من نخيل وماء وحجر.
(دمشق):
فوق بستان هشام وفي عز الظهيرة، تتكالب السحب الرقيقة تحت فسحة السماء المتاحة، وتقف، فيما تغلق السماء بوابتها على امتداده وتستريح، حتى المساء.
الشام العتيقة، حاراتها هبة التاريخ الواقف بأبوابها، منذ عشرات القرون وهو يستأذن الرحيل، دون ملل.
في الشام لا تختلط الأشياء بالأشياء، ولا التاريخ بالتاريخ، فهناك النوار وزهر اللوز، وأوراق الشجر العطري وهي تستقل بعبق الرائحة عن حجارة التاريخ وأرخبيلها المترامي.
بين الجامع الأموي، وقصر العظم.. في كل زاوية حكاية ولكل حكاية رائحة، مستقلة، كأشجار البساتين في الغوطة، وثمار الدراق، أما التاريخ الذي يمر عبرها ولا يختلط، فله رائحة القهوة، ومذاق الشاي المهيل.
(اليوم المدرسي الأول):
مع انطلاق العام الدراسي الجديد.
أحاول استعادة أهم التفاصيل الضائعة، المبعثرة، وترتيبها ليومي المدرسي الأول في مدينة الزرقاء، ولكني لا أفلح في هذا تماما.
ما أذكره بأن المدرسة الابتدائية، مدرسة الملك غازي، كانت قريبة من بيتنا.
كان عليّ أن أصعد الزقاق نحو شارع الحاووز ثم الالتفاف نحو اليسار، والسير لأمتار فقط.
أكثر ما علق في ذهني من ذلك اليوم، رائحة الطبشور الممزوجة بالعرق الطفولي، ثم المساحات الواسعة لغرف الفصول المدرسية، وتحديداً غرفة صفي الأول.
أما احتشاد الطلبة بين الممرات واكتظاظ الساحة المدرسية الواسعة بهم، المترامية الأطراف، فقد كان هو الأكثر رسوخا بين مختلف المشاهدات العالقة.
بعد ساعة من مكوثي جالسا على «رحلاية» الصف المشتركة، بيني وبين زميل آخر، ليس من حارتنا ولا أعرفه، داهمني حنين لا يوصف واشتياق لا مثيل له لوالدتي وأشقائي.
وحين عدت بعد غياب ساعات، احتضنتهم بقوة، ثم تبادلنا الصياح والشتائم كعادة مألوفة، وعلا صوتنا. قلت في نفسي بأن صفوف المدرسة وممراتهاالعابقة برائحة الطبشور والعرق، أكثر رحمة منهم.
بعد عقدين من رحيلي عن تلك المدرسة، كنت أعود إليها لسبب لا أذكره الآن.
كل ما أذكره بأن الدهشة قد لجمتني وأنا أرى كم هي ضيقة تلك الصفوف، بمجملها، ضيقة حد العبوس بتلك المقاعد القديمة، والتي احتضنتنا صغاراً أنا وزملائي في تلك المرحلة البعيدة.
أما ما أدهشني أكثر فقد كان فوح الرائحة المميزة والعتيقة،رائحة الطبشور الصفي وغباره الرطب، والتي لمْ تزل تفوح بين زواياها وممراتها وفصولها الدراسية المتقاربة، إلى جانب تلك الساحة، والتي بدت لي كحيز محدود منكمش على ذاته، بعد أن علقت في ذهني كملعب «أولومبي» ضخم، ولزمن طويل، منذ أن كنا صغاراً تتناثر من أجسادنا قطرات العرق الطفولي، ونحن نتراكض من حولها وعلى امتدادها بطيش، وبراءة وحب.
 (روزنامة الإجازات):
في الإجازات الصيفية الغابرة..
كانت «روزنامة» التوقيت تحضر كعين ساهرة على الوقت.
لكنها في أواخر الأيام تتراجع، ويعتريها العمى، قبل أن تفوح منها رائحة العناد بذريعة الملل.
ربما من وجودي المتواصل والتحديق بأوراقها، وربما من كل شيء حولها.
أواخر الأيام، تتمرد تماما فوق جدارها المشوش أصلا، وتخرج على طاعة الوقت.
تشرع بنثر ما تبقى من أوراقها السائبة على امتداد المكان، وضيقه المسيج بالحقائب، دون أن تحسب حسابا لأحد.
هي تخرج عن طبيعتها الكونية في الحياد، لتجتر أوراقها بسرعة البرق.
رائحة الشماتة تفوح منها في السر والعلن.الغريب، أن تلك الرائحة تغافلني في غربتي،من وقت لآخر، فتشعل في داخلي حنينا رائقا يعيدني إلى أيام إجازتي الغابرة.
يقال بأن «الروزنامة» تشقى حين تجدد ذاتها، لذا فهي أنانية، وماكرة، ولا تأبه لشيء أبداً.
هذا الصيف أفتقد تماما لتلك «الروزنامة»، لحضورها المروع على ذلك الجدار، أشتاق لميوعة الوقت وآخر أوراقها المتساقطة، في حضوري.
مع آخر ورقة تسقط، كانت تمد لسانها نحوي بسخرية، قبل أن تندلع الرائحة وتغمرني بالشماتة.
اليوم، أشتاق لها ولرفيف أوراقها، وأفتقد لتلك السخرية في عبق الرائحة.

19 Sep, 2020 12:58:55 PM
0

لمشاركة الخبر