Skip to main content
إضاءات على قصيدة رامي العاشق: "فطمة تحمل جرحين بيد واحدة"

تتحدّثُ القصيدة عن حكاية أمِّ تهاجرُ بشكلٍ غير قانوني عبرَ البحر، لتلتحقَ بابنها في المنفى، وهو الشاعرُ ذاته، وهذا ما جعله يبني قصيدته على خطيين متوازيين: رصدُ تجلّياتِ الأمّ وتحوّلاتها خلال الرحلة من جهة، ووصف حالته، وهو ينتظر وصولها في الجهة الأخرى من البحر، ملتاثاً بهواجس الخوف والقلق، مرتدّاً إلى طفولته المرتبطة بالأم في تداعيات نفسية ووجدانية خالصة. يحاول رامي العاشق إذاً أن يصوغ قصيدة/ ملحمة صغيرة عن تجربة التشرّد واللجوء والاغتراب، والتي عاشها كفلسطينيّ سوريّ مرتين.

تتألف القصيدة البالغة خمسة وثلاثين صفحة من تسعة عشرَ مقطعا تترأسها عناوينُ يُفترضُ أن تكونَ مفاتيحَ للنصِّ أو نوافذَ عليه. مع ذلك يبدو عنوانُ المقطع الأول (مقطعٌ عرضيّ في الذاكرة) أبعدَ ما يكونُ عن الشعريّة، قد يطالعنا (مقطعٌ عرضيّ) لمصوراتٍ تشريحية أو جغرافية، فكيف مزجه الشاعرُ مع الذاكرة، الحاملِ الأكبر للحنين والوجع؟ كيف استطاعَ أن يحوّلّه إلى عبارةٍ شعرية؟! الهولُ السوريّ حوّل معظمَ معانينا إلى دمٍ وجثث. بالموازاة معه، وضع رامي العاشق تجربته، تجربتنا جميعا ربما، بما فيها من حالاتٍ ذهنية وانفعالية، على طاولة التشريح، وراح ينظرُ إليها عبرَ مجهرِ الشعر، وكأنّه ينفذ من مرآةٍ سحرية إلى العالم المجرّدِ الكامنِ خلفَ سطوحِ الحكاية.

    لا يكادُ القارئ يخرجُ من عنوانٍ غيرِ مألوفٍ شعرياًّ وصادمٍ في تركيبه حتى يواجهَ عبارة صادمة في بداهتها "البحرُ أبيضُ"! وهل كان (البحر الأبيض المتوسط) غيرَ ذلك يوما؟ لكنّ الشاعرَ حين يجرّدُ بياضَه من الِّ التعريف (صفتِه الثابتة المعادلة للهوية) يجعله خبراً قابلاً للتغير وتنوّع الدلالات، فما المعاني والمفاهيمُ الجديدة التي يريدُ ملأه بها؟ بكلّ الأحوال، وضعُه العبارةَ بين قوسين صغيرين يحيلان بالضرورة إلى منتجها الأول، درويش، في قصيدته (مديح الظل العالي) حيث يقول: "والبحر أبيض/ والسماء/ قصيدتي بيضاء/ والتمساح أبيض/ والهواء/ وفكرتي بيضاء/ بيضاء ليلتنا/ وخطوتنا/ وهذا الكون أبيض/ كلّ شيء صورة بيضاء/ هذا البحر ملء البحر أبيض"، فهل وُظّف هذا الاقتباس في إنشاء علاقة ما أو توطيد فكرة؟ أم لا يعدو محض تأثّرٍ بالجرْس الموسيقي؟ لا يحتاج الدارسُ أن يعقدَ مقارنة بين القصيدتين، فقلما نجا شاعرٌ من أسرِ درويش وهيمنته، فما بالك بشاعرٍ فلسطينيّ عاشَ تجربة التشرّدِ والنفي مرتين مثله! يبقى أنّ درويشَ أسدلَ البياضَ فوق الكون في ثراءٍ دلاليٍّ تصعبُ الإحاطة به، بينما حصره العاشقُ في البحرِ، موضوعِ القصيدة، متجنّباً الغرقَ في فائضِ المعنى. فهل يمثّلُ بياضُ البحر عنده نقاءَ الماء وطهرَه اللذين يخلصانا من وحل الدم؟ أم شحوبَ الذاكرة والحلم حين يتدثرا بخوفٍ أبكمَ، ويغيبان في سكون مستفزٍ لآلافِ الصرخات والكلمات؟ أم الفراغَ الذي يبتلعُ حيواتنا؟ أم هو رداءٌ لعروسٍ تزفّ إلى البحر قرباناً للحرية والحياة؟؟؟ وهل يحتملُ معانيَ أخرى حين يصدرُ عن هذه العروس بالذات؟ "البحرُ أبيضُ/ قالت الأنثى العروس".

لعلّ الاشتغالَ على الثنائيات من أبرز ما يُلاحَظ عند الشاعر، فإلى جانب ثنائي الأمّ والابن الذي ساهمَ بتحقّق وحدة القصيدة وتكاملها، يظهرُ ثنائيٌّ آخرُ داخله كأحدِ الحواملِ الموضوعية، ألا وهو الأنثى/ الأمّ، فتارة تتجلى فطمة أنثى لها طقوسُها وتحولاتها، وتارة أمّاً تتقفى أثرَ ابنها بعدما ألقته في اليم. يقدّمها الشاعرُ في بدءِ القصيدة أنثى مجردة "قالت الأنثى العروس"، ما تلبثُ أن تتوارى وراءَ أمومتها "كانت الأولى.. ككلِّ الأمهات/ تصدُّ عنها البحرَ/ تخفي ما استطاعت من أنوثتها، وتنزلُ بحرَها بثيابها وحجابها". والشاعرُ الذي مضى قبلها إلى منفاه يدركُ أنّ هذه الرحلة تصبحُ وسيلة لمعرفةِ الذاتِ وإطلاقِ كوامنها، فينظرُ إلى تحوّلاتِ الأنثى/ الأمِّ كجوهرٍ متعدّدِ المظاهر "ستكشفُ رأسهَا للبحر../ وادّعتِ الدوارَ لكي تمدّدَ جسمها/ وجهاً لوجهٍ مع أشعة شمسها". وهنا لا يمكنُ للمنهج النفسيّ في النقد أن يبقى بعيداً عن قصيدة تتداخلُ فيها صورتا الأنثى/ الأمّ في حسٍّ أو وعي أوديبيّ صارخ عبْرَ رحلة الهروبِ والخوفِ المتلازمين مع الإنارة والكشفِ الذاتي. تلتحمُ الصورتان. أنثى ينتمي الكونُ إليها "أشعة شمسها" و(أمُّ القصيدة) أمّ الشاعر الذي آخى البحرَ ومضى معه. تتبنى الأمُّ البحرَ، الذي زفت إليه سابقا " فطمة ستفتح صدرها للبحر/ ترضعه وتصمد".

وتشكّلُ الأسطورة بموازاة تجربة الأم والابن ثنائياً ثالثا يسيرُ مع الثنائيين السابقين كظلٍّ لهما، تارة تتداخلُ كلها في حبكةٍ قصصية جميلة، وتارة أخرى تنفصلُ لتؤكّدَ هويّاتٍ منفردة. منذ البداية اختارَ الشاعرُ أن يقدّم حكايته، متكئاً على الأسطورة "أنّها ألقت بقلبي بلا هوادة في اليمّ/ لا خوفاً من الفرعون.. لا/ بل كي تفتش عن نبيّ". وكما تتجلّى تحولاتُ الأنثى/ الأمّ، تنضجُ تجربة الابن، الشاعرِ، نبيِّها الموعود. يفترسُه انتظارُها، يلهو عن موته بمضغِ الذكريات "كنت مجنونا صغيرا/ كانت تحاولُ أن تعلّمني الهدوءَ/ ملعبي نزقي ودمعي/ والبكاء". يتأمّلُ الأسطورة. أمٌّاً تلقي بابنها في اليمِّ لتنقذه من الفرعون، ثم تتبعُ خطاه. "فطمة تعدُّ لي السفينة/ هل أعدُّ لها انتظاري؟.. من أين يأتي الصبرُ بانكساركِ وانكساري؟!". يعلّمه الخوفُ كيف يساومُ البحرَ على نجاةِ أمِّه/ أنثاه الأولى "أيها البحرُ القديم/ تعالَ نعقدُ صفقة/ للبحرِ ما شاءَ الجنونُ/ ولي صباها". قلقٌ يرشحُ من مساماتِ القصيدة. يفجّرُ وعيَ الشاعر بما كانَ وما سيؤولُ إليه. "هناك جسرٌ فوق صدري/ أشدُّ، أنتظرُ، اختنقتُ، سأنتهي/ يا وجهَ فطمة.. لن تطلّ؟" ويبلغُ الألمُ ذروته في انشداهٍ يمثّلُ وحدة الأمِّ وابنها وانفصالهما في ذاتِ الوقت "وجهاً لوجه/ لا أراها لا تراني../ يا وجهها أقبلْ على جلدي تمشَّ" . رغمَ كلِّ هذا الألمِ، أو بسببه، يخرجُ الشاعرُ أخيراً من الأسطورة القديمة ليصنعَ ولادته الشعرية الجديدة، متحرّراً منها كلّها خالقا إرادته وأسطورته "أمي تعالي كي أقول لك الحقيقة/ لست أشبهك/ افتتحت عقيدة/ وبدأت أبحث عن حقيقتها لوحدي" لتكتملَ أنا الشاعرِ مع إغلاق القصيدة، والتي ربما ستطلقُ صوته إلى أمداءَ أرحبَ.

 

21 May, 2017 12:11:51 PM
0

لمشاركة الخبر